حصلَ لهم به التنعمُ في الدنيا يتزايدُ في الجنةِ بلا ريبٍ ، لاسيَّما في أوقاتِ
الصلواتِ ، فإنَّ أكملَهُم من ينظرُ إلى وجهِ اللَّهِ عز وجل كلَّ يومٍ مرتينِ ، بكرةً وعشيةً ، في وقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ ، لمِا جاءَ في حديثِ ابنِ عمَر مرفوعا وموقوفًا ، وإلى ذلك أشارَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالمحافظة على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِهِ رؤيةَ الربِّ سبحانَهُ في حديثِ جريرٍ البجلي.
فالنعيمُ الحاصلُ لأهلِ الجنَّةِ بالرؤيةِ والمخاطبةِ في هذينِ الوقتينِ أكملُ مما
كانَ حاصلاً في الدنيا ، وكذلكَ صلاةُ الجمعةِ: فإنهم يجتمعونَ في وقتِها في
يومِ المزيدِ ويتجلَّى لهم سبحانَهُ ويحاضرُهم محاضرةً ، وكذلكَ في العيدينِ.
فهذا ؛ أكملُ مما كانَ يحصلُ لهم في الدنيا في صلاتِهِم من آثارِ القربِ
وحلاوةِ مع راحةِ البدنِ ونعيمهِ أيضًا.
فتبينَ بهذا أن نعيمَ الجنةِ أكملُ من نعيم
الدنيا مطلقًا ، وسواءٌ في ذلكَ نعيمُ الأبدانِ بالأكلِ والشربِ والجماع ، ونعيمُ
القلوبِ والأرواح بالمعارفِ والعلومِ والقربِ والاتصالِ والأنسِ والمشاهدةِ.
فظهرَ بهذا أن قولَهُ تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا) ، هو على
ظاهره من غيرِ حاجةٍ إلى تأويلٍ ولا تكلُّفٍ فإنَّ كثيرًا من المفسرينَ فسروا
الحسنةَ بكلمةِ التوحيدِ والجزاءَ عليهم بالجنةِ ، ثم استشكلُوا تفضيلَ الجنَّةِ على
التوحيدِ ، وبما ذكرناه يزولُ الإشكالُ.
ويتبين ؛ أن التوحيدَ الذي في الجنةِ أكملُ من التوحيدِ الذي في الدنيا وهو
جزاءٌ له ، وكذلكَ المعرفةُ والمحبةُ والشوقُ أيضًا ، فقد جاءَ في بعضِ أحاديثِ
يومِ المزيدِ: أنَّهم ليسُوا إلى شيءٍ أشوقَ منهم إلى يومِ الجمعةِ ، وسبب بهذا
الغلطِ الذي أشرنَا إليه من قولِ من قالَ: