إنَّ العارفينَ لا يشتاقونَ إلى اللَّهِ عز وجل في الدُّنيا لأنَّهم يشهدونهُ بقلوبِهِم حاضرًا ، وتباشرُ قلوبَهُم أنوارُه ويتجلَّى لها فيستأنسونَ بِهِ ويطمئنونَ إليهِ. وهذا ؛ وإنْ كانَ نُقِلً عن بعضِ السلفِ المتقدمينَ فهو أيضًا غلطٌ ، ولعلَهُ صدرَ من قائِلهِ في حالِ استغراقهِ في مشاهدة ما شاهدَهُ فظنَّ أنه ليسَ وراءَ ذلك مطلبٌ ، وهذا كما قالَ بعضُهم:
"إنه تمرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه ، إنَّهم لِفي"
عيشٍ طيب"."
ومعلومٌ أنَّ أهلَ الجنةِ في أضعافِ أضعافِ ما هو فيه من النعيم واللذةِ.
ولكنَّه لما استعظمَ ما حصلَ له من النعيم ظنَّ أنه ليس وراءَهُ شيءٌ ، وعند
التحقيقِ يتبينُ أنَّ ما حصلَ في الدنيا للقلوبِ من تجلِّي أنوارِ الإيمان يدلُّ على
عظمةِ ما يحصلُ في الجنةِ ، وليسَ بينهما نسبةٌ فيتزايدُ بذلكَ الشوقُ إلى ما
وراءَه ، ولهذا كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يسألُ ربه الشوقَ إلى لقائِهِ ، مع أنَّه أَكملُ الخلقِ مشاهدةً ومعرفةً ، وكانَ يقولُ في الوصالِ:
"إني لستُ كهيئتكُمْ ، إنِّي أظَل عِندَ ربِّي يُطعمُني ويسقِيني".
ويشيرُ إلى ما تجلَّى لقلْبه من آثارِ القرب والأنسِ بما
يقوِّيةِ ويغذِّيهِ ويُغْنِيهِ عنِ الطعامِ والشرابِ. ً
وإنَّما شرعَ اللَهُ إقامَ الصَّلاةِ لذكرِه ، وكذلكَ الحجَّ والطَّوافَ.
وأفضلُ أهلِ العباداتِ: أكثرهم للَّهِ ذكرًا فِيها ، فهذا كلُّه ليسَ من الدنيا المذمومةِ ، وهو المقصودُ من إيجادِ الدُّنيا ، وأهلِها ، كمَا قال تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) .
وقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ أنَّ ما يُوجدُ في الدنيا من هذه
العباداتِ أفضلُ ممَّا يُوجدُ في الجنَّة مِنَ النَّعيم ، قالُوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حظُّ