العبدِ ، والعباداتُ في الدُّنيا حقُّ الربِّ ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد.
وهذا غلطٌ ، ويقوِّي غلطهم قولُ كثيرٍ منَ المفسِّرين في قوله تعالى:
(مَن جَاءَ بِالحسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا) ، قالُوا: الحسنةُ: لا إله إلا اللَّه ، وليس
شيء خيرًا منها. ولكن الكلام على التَّقديم والتَّأخير.
والمراد: فله منها خيرٌ ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها.
والصَّوابُ: إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتابِ والسنةِ ، أنَّ الآخرةَ خيرٌ
منَ الأُولى مطلقًا.
وفي"صحيح الحاكم"عن المُستوردِ بن شدَّادٍ ، قالَ: كنَّا عندَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فتذاكرُوا الدُّنيا والآخرةَ ، فقالَ بعضُهم: إنَّما الدنيا بلاغٌ للآخرةِ ، -
وفيها العملُ ، وفيها الصَّلاةُ ، وفيها الزكَاةُ.
وقالتْ طائفةٌ منهم: الآخرةُ فيها الجنَّةُ ، وقالوا ما شاءَ اللَّهُ.
فقالَ رسولُ اللَّه ، - صلى الله عليه وسلم -:
"ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يمشي أحدُكم إلى اليمِّ ، فأدخلَ أصبعَهُ فيه ، فما خرجَ منه فهو الدّنيا".
فهذا نصٌّ بتفضيلِ الآخرةِ على الدُّنيا ، وما فيها من الأعمالِ.
ووجه ذلك: أنَّ كمالَ الدُّنيا إنما هو في العلم والعملِ ، والعلمُ مقصودُ
الأعمالِ ، يتضاعفُ في الآخرةِ بما لا نسبةَ لما في الدّنيا إليه ، فإنَّ العلمَ أصلُه
العلمُ باللهِ وأسمائهِ وصفاتهِ ، وفي الآخرةِ ينكشفُ الغطاءُ ، ويصيرُ الخبرُ
عيانًا ، ويصيرُ علمُ اليقينِ عينَ اليقينِ ، وتصيرُ المعرفةُ باللَّهِ رؤيةً له ومشاهدةً.
فأينَ هذا مما في الدنيا ؟
وأما الأعمالُ البدنيةِ ، فإن لها في الدنيا مقصدينِ:
أحدهما: اشتغالُ الجوارح بالطَّاعةِ ، وكدُّها بالعبادةِ.
والثاني: اتِّصالُ القلوبِ باللَّه وتنويرُها بذكرِه.
فالأولُ ؛ قد رُفعَ عن أهلِ الجنَّة ، ولهذا رُوي أنَّهم إذا همّوا بالسجودِ للَّه
عند تجلِّيه لهُم يقالُ لهم: