(فصل: من بديع لغة التنزيل)
قال السامرائي:
سورة «النمل»
قال تعالى: (إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ [الآية 7] .
وقوله تعالى: (آنَسْتُ) أي: أبصرت ورأيت.
أقول: ويحسن بي أن أقف وقفة طويلة على: آنَسْتُ فأقول: هي من مادة «الأنس» .
وآنس الشيء: أحسّه. وآنس الشخص واستأنسه: رآه وأبصره.
وأنست بفلان: فرحت به.
وفي التنزيل العزيز: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً [القصص: 29] يعني أبصر.
واستأنست: استعلمت. والاستئناس في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [النور: 27] .
قال الفراء: هذا مقدّم ومؤخّر، إنّما هو حتى تسلّموا وتستأنسوا ...
وقال الزجاج: معنى تستأنسوا تستأذنوا.
أقول: وجميع معاني «أنس» من الأفعال والمصادر تتصل ب «الأنس» الذي هو جملة هذه المعاني من الإبصار والاستعلام والفرح والاستئذان، فلا بد من أن نجد لها أصلا في أنّ الإنسان يألف أخاه الإنسان بطبعه، فإذا اتصل به وألفه استلّ منه فعلا لهذه الحالة المعنوية من مادة «إنس» ، أي: الإنسان، والإنس
مقابل الجن في طائفة من الآيات.
والإنس والإنسان شيء واحد، وزيادة الألف والنون لكمال صيغة جديدة.
ثم إذا وقفنا قليلا وجدنا لغة قديمة في «الإنسان» هي «إيسان» وهذه اللغة الأخيرة ذات صلة وثيقة بمادة «أيس» الذي يعني الوجود. ولم يرد هذا إلا في قول الخليل بن أحمد: أن العرب تقول جيء به من حيث «أيس، وليس» لم تستعمل «أيس» إلا في هذه الكلمة، وإنما معناها كمعنى حيث، هو في حال الكينونة والوجد مصدر «وجد» ، وقال: إنّ معنى «لا أيس» أي لا يوجد.
أقول: والذي يؤيّد هذا، ما نعرفه من أن في العبرانية من هذا شيئا هو أن إيش بمعنى رجل، ويقابله إيث في الآرامية.
ولنرجع إلى العربية فنجد أن كلمة «شيء» ، ومعناها معروف ليس بعيدا عن مادة «وجد» ، فالشيء موجود بطبعه وحقيقته، وكأن الأصل هو مقلوب «أيش» الذي يذكرنا ب «أيس» ، الذي يفيد الوجود والذي بقي شيء منه في مادة «ليس» ، أي «لا أيس» . وكان الفلاسفة على حق في التمسّك ب «الأيس» و «الليس» للدلالة على الوجود وعدمه.
2 -وقال تعالى: (وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [الآية 10] .
وقوله تعالى: (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: