[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
[شعر في صفة الكتب]
قال الجاحظ:
قال ابن يسير في صفة الكتب، في كلمة له: [من البسيط]
1 -أقبلت أهرب لا آلو مباعدة ... في الأرض منهم فلم يحصنّي الهرب
2 -بقصر أوس فما والت خنادقه ... ولا النواويس فالماخور فالخرب
3 -فأيّما موئل منها اعتصمت به ... فمن ورائي حثيثا منهم الطلب
4 -لمّا رأيت بأني لست معجزهم ... فوتا ولا هربا، قرّبت أحتجب
5 -فصرت في البيت مسرورا بهم جذلا ... جار البراءة لا شكوى ولا شغب
6 -فردا يحدّثني الموتى وتنطق لي ... عن علم ما غاب عنّي منهم الكتب
7 -هم مؤنسون وألّاف غنيت بهم ... فليس لي في أنيس غيرهم أرب
8 -لله من جلساء لا جليسهم ... ولا عشيرهم للسّوء مرتقب
9 -لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطق ذرب
10 -أبقوا لنا حكما تبقى منافعها ... أخرى الليالي على الأيّام وانشعبوا
11 -فأيّما آدب منهم مددت يدي ... إليه فهو قريب من يدي كثب
12 -إن شئت من محكم الآثار يرفعها ... إلى النبيّ ثقات خيرة نجب
13 -أو شئت من عرب علما بأوّلهم ... في الجاهليّة أنبتني به العرب
14 -أو شئت من سير الأملاك من عجم ... تنبي وتخبر كيف الرأي والأدب
15 -حتّى كأنّي قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرهم حقب
16 -يا قائلا قصرت في العلم نهيته ... أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسب
17 -إنّ الأوائل قد بانوا بعلمهم ... خلاف قولك قد بانوا وقد ذهبوا
18 -ما مات منا أمرؤ أبقى لنا أدبا ... نكون منه إذا ما مات نكتسب
وقال أبو وجزة وهو يصف صحيفة كتب له فيها بستّين وسقا: [من البسيط]
راحت بستّين وسقا في حقيبتها ... ما حمّلت حملها الأدنى ولا السّددا
ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ... ستّين وسقا وما جابت به بلدا
وقال الراجز: [من الرجز]
تعلّمن أنّ الدواة والقلم ... تبقى ويفني حادث الدّهر الغنم
يقول: كتابك الذي تكتبه عليّ يبقى فتأخذني به، وتذهب غنمي فيما يذهب.
[فضل الكتاب في نشر الأخبار]
وممّا يدلّ على نفع الكتاب، أنّه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد وواسط، ما كان بالبصرة، وما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتّى تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء.