[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(خصائص النملة)
قال الجاحظ:
قد علمنا أنَّ ليس عندَ الذَّرَّةِ غَنَاءُ الفرَسِ في الحرب، والدَّفْع عن الحريم، ولكنّا إذا أردْنا موضِعَ العجَبِ والتَّعجيب، والتَّنْبيه على التدبير،، ذكرنا الخسيسَ القليلَ، والسَّخِيفَ المهِين، فأرَيْناكَ ما عنده من الحِسِّ اللطيفِ، والتَّقْديرِ الغريب، ومِن النظر في العواقب، ومشاكلةِ الإنسان ومزاحمَتِه.
والإنسانُ هو الذي سُخِّر له هذا الفَلكُ بما يشتمل عليه.
وقد علمنا أنَّ الذَّرَّةَ تدّخرُ للشتاء في الصَّيف، وتتقدَّمُ في حال المُهلةِ، ولا تُضِيعُ أوقاتَ إمكانِ الحزم، ثم يبلغ من تفقُّدها وحُسْنِ خبرها والنظر في عواقب أمْرها، أنَّها تخافُ على الحبوب التي ادَّخَرَتْها للشِّتاءِ في الصيف، أنْ تعفنَ وتُسوِّسَ، يقبلها بطن الأرض، فتخرِجها إلى ظهرها، لتُيبِّسها وتُعيدَ إليها جُفوفها، وليضربها النَّسِيمُ، وينفَى عنها اللَّخَنَ والفساد، ثمَّ رّبما كان، بل يكون، أكثر - مَكانُها ندياً وإن خافتْ أن تنبت نَقَرتْ موضع القطْميِر، من وسط الحبّة، وتعلم أنّها من ذلك الموضع تبتدئُ وتنبتُ وتنقل، فهي تفلق الحبّ كلَّه أنصافاً، فأمّا إذا كان الحب من حبِّ الكُزْبُرة، فلقته أرباعًا، لأنَّ أنْصافَ حبِّ الكزبرة ينبت منْ بين جميع الحبوب، فهي على هذا الوجه مجاوزةٌ لفِطنةِ جميع الحيوان، حتَّى ربَّما كانت في ذلك أحزمَ من كثير من الناس، ولها، مع لطافة شخْصها وخِفَّة وزنها، وفي الشمِّ والاستراوح ما ليس لشيء.