[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
[الاستطاعة قبل الفعل]
قال الجاحظ:
ومثل ذلك مثّل بعض المخالفين في القدر، فإنّه سأل بعض أصحابنا فقال: هل تعرف في كتاب الله تعالى أنّه يخبر عن الاستطاعة، أنّها قبل الفعل؟ قال: نعم، أتى كثير، من ذلك قوله تعالى {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} .
قال المخالف: سألتك أن تخبرني عن الله، فأخبرتني عن عفريت لو كان بين يديّ لبزقت في وجهه! قال صاحبنا: أمّا سليمان النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فقد ترك النّكير عليه، ولو كان مثل هذا القول كفرا وافتراء على الله، ومغالبة وتفويضا للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان ومن حضره من المسلمين من الجنّ والإنس أحقّ بالإنكار، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع فيه ويذكر الطاعة، ولا يتقرّب فيه بذكر سرعة النفوذ، ويبشر فيه بأنّ معه من القوّة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته، فيكذب ثمّ لا يرضى بالكذب حتّى يقول قولا مستنكرا، ويدّعي قوّة لا تجعل له، ثمّ يستقبل بالافتراء على الله تعالى والاستبداد عليه، والاستغناء عنه نبيّا قد ملك الجنّ والإنس والرّياح والطير، وتسيير الجبال، ونطق كلّ شيء، ثمّ لا يزجره فضلا عن أن يضربه، ويسجنه فضلا عن أن يقتله.
وبعد، فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل ذلك القول قرآنا، ويترك التنبيه على ما فيه من العيب، إلا والقول كان صدقا مقبولا. وبعد، فإن هذا القول قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلاه على الناس، وما زالوا يتلونه في مجالسهم ومحاريبهم، أفما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك، أو يغضب لله تعالى غضبك؟!. انتهى انتهى {الحيوان، للجاحظ} ...