{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) }
أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتوكل عليه، وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه، وهو قوله تعالى:"إنَّك على الحقِّ المبين فإن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواءَ إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق، وهو ولى الحق وناصره ومؤيده، وكافي من قام به، مخلصاً للحق أن لا يتوكل عليه؟"
وكيف يخاف وهو على الحق؟
كما قالت الرسل لقومهم: {وَمَا لَنَآ أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12]
فعجبوا من تركهم التوكل على الله وهو هداهم، وأقروا أن ذلك لا يكون أبداً.
{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) }
وقد يقال: نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدل على أن المراد عدم أهلية كل منهما للسماع، وأن قلوب هؤلاء لما كانت ميتة صماء كان إسماعها ممتنعا بمنزلة خطاب الميت والأصم.
وهذا حق. ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلقها بالأبدان في وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي واللّه أعلم.
وحقيقة المعنى إنك لا تستطيع أن تسمع من لم يشأ اللّه أن يسمعه، {إن أنت إلا نذير} أي إنما جعل اللّه لك الاستطاعة على الإنذار الذي كلفك إياه لا على إسماع من لم يشأ اللّه إسماعه. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...