[من روائع الأبحاث]
تأملات تربوية في سورة النمل
سيدنا سليمان عليه السلام (2)
(الجزء الثاني)
د. عثمان قدري مكانسي
1 -الدعوة إلى التفكير: خلقنا الله تعالى".. في أحسن تقويم"فجعل لنا - معشر الإنس والجن لأننا مكلفون - العقول التي تميزنا عن بقية المخلوقات لنتدبر ما نجده أمامنا ولنتفكر فيه. أما الحيوانات الأخرى فإنها تعيش غريزياً. لا رسالة لها في هذه الحياة سوى ما قدره الله تعالى لها في حياتها الدنيا ثم يقال لها - في الآخرة حين تحشر ليقتص منها ذلك الاقتصاص الذي لا يقارن مطلقاً بالاقتصاص من الثقلين - كوني تراباً .. فيتمنى الكافر لما يراه من العذاب الشديد الخالد في نار جهنم أن تكون نهايته مثل نهايتها"يا ليتني كنت ترابا"ولكن هيهات هيهات.
وعلى الرغم أن البشر جميعاً لهم عقول يفكرون بها إلا أن أكثرهم لا يريد أن يعي حقيقة وجوده وسبب خلقه، فهو يحيا في هذه الدنيا وكأنه خالد فيها، أو سينتهي دون عودة"وما يهلكنا إلا الدهر"وينكرون حياة أخرى تنتظرهم هي الحياة الحقيقية"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"وهؤلاء لئن كانوا بشراً إنهم لينزلقون إلى درجة الأنعام التي لا تعي ولا تعقل، بل إنهم أقل منها مستوىً، فالحيوانات ليس لها عقول وقد سقط عنها القلم، وهؤلاء لهم عقول لا يستعملونها في مرضاة الله، فانحدروا عن مستوى البهيمية بفعلهم - عنادِهم وضلالهم - يقول الله تعالى"ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام، بل هم أضل، أولئك هم الغافلون".
والقرآن الكريم يدعو المكلف إلى التدبر وإمعان التفكير في مئات الآيات المنبثة فيه، وفي هذه السورة الجليلة نجد الكثير منها، وإليك بعضاً منها:
ففي الآية الستين نجده يدعونا إلى معرفة خالق السماوات والأرض الذي أنزل الماء فكان سبباً في الحياة المتجددة الجميلة في الأرض، وأنه سبحانه واحد لا شريك له
"أمّن خلق السموات والأرض،"
وأنزل لكم من السماء ماءً،