قوله تعالى: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(3)
يقال: تلوتُ بمعنى: تبعت، وتكون التلاوة على هذا الاتباع بمعنى أتبع
الحرف الحرف والقصص القصص، فهذا في هذا الموضع القراءة، وأكثر ما يأتي
الأمر بالتلاوة في القرآن بالقراءة التي هي الدراسة والتلاوة بالعمل(وَاتْلُ مَا أُوحِيَ
إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ)(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ
أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).
وقوله هنا، والله أعلم: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ) ما
تلاه عليه في هذه السورة من أتباع الحروف الحروف والمعنى المعنى، وتأخر ما
تلاه عليه من قصصهما في القرآن، وكرر ذلك وأعاده وبدأ به بألفاظ مختلفة ومعان
متفقة، وربما ظهر في بعض المواطن في العبارات خلاف ما توهم خلافًا في
المعاني، فإنما ذلك على حسب ما جرى بينهما من المحاورة في المواطن، فربما
استاق حكاية ما جرى في ذلك الموطن، واستاق في سورة أخرى ما جرى في
موطن آخر، وكذلك قصصهما حيث جرى.
ثم اقض بمثل ذلك في كل قصص قصه في القرآن، فيبدل آية مكان آية وعبارة
مكان عبارة، فهذا أصل هذا الباب فقف عليه، وهو المعني بقول الحق:(وَإِذَا بَدَّلْنَا
آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)كانوا لقلة
إيمانهم وقاصر عقولهم يسمعون الآية والمعنى بعبارات مختلفة، وزيادة معنى
ونقصان معنى في موضع آخر، فكانوا يكذبونه بذلك ويقولون: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) .
يقول الله - جلَّ جلالُه - والله أعلم بما ينزل ويقول: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(100) .
(قل) يا محمد (نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) وهو الحق (مِنْ رَبِّكَ) المبين
(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) .
لذلك - وهو أعلم بما ينزل - قال: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) . يقول: نقص عليك وعلى من آمن خبرهم (إِنَّ فِرْعَوْنَ