(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وقد تكون الهداية بمعنى التوفيق وشرح الصدر وتسهيل القول الحقّ على ما بيّناه من قبل، وهي الهداية الحقيقية المقصودة بقوله: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [القصص: 56] ، أي: إنّك لا توفق من أحببت، ولم يرد أنّك لا تأمره بالهدى وتدعوه إليه، وهي المراد بقوله: {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ} [الزمر: 37] والمعتمد في الرغبة إلى الله في الهداية في الرغبة، لأنّ الدعوة قد حصلت لكل، ولأنّه قد ضلّ كثير ممّن دعي إلى الحق، فدلّ ذلك على أن الهدى المرغوب فيه والذي لا يضلّ صاحبه، ولا يهدي به النبي عليه السلام من أحبّ هدايته هو التوفيق وشرح الصدور الذي قدمناه.
قال الحطيئة:
تحنّن عليّ هداك المليك فإنّ لكل مقام مقالا ...
يريد: وفّقك المليك للحق، وشرح صدرك به ولم يرد دعوته إلى ذلك، لأنّها قد سلفت ووجدت.
وقد تكون الهداية إلى الشيء بمعنى التقديم إليه، ومنه قولهم: قد أقبلت هوادي الخيل أي: مقدّماتها، ويقال هوادي الخيل أعناقها لأنّها تتقدمها.
قال الشاعر:
إذا لم يختزن للبيت لحما غريضا ... من هوادي الوحش جاعوا
يعني: تدخر لهم من أوائل ما يتقدّم إلى الوحش.
وقال الأعشى:
إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا
يعني أوائل القناة ومواضع الأسنّة منها، والعصا تسمّى الهادية إما لأنّها تتقدّم المتوكّئ عليها، أو لأنها من شدّة تهديه بحسّه بها وتوقيه الوهاد والتلاع، وما في سبله من الأذى، وما يريد معرفته.
وأمّا قول من زعم أنّ الهداية تكون بمعنى الزيادة، واعتلّ لذلك بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ} [محمد: 17] ، فإنّه تعلق باطل، لأنّ قوله زادهم هدى، إنّما يريد بزيادتهم رشادا وتبصرا، واتخاذا للهداية في قلوبهم في مستقبل أزمانهم وأعمارهم، وليس يبيّن معنى الهداية بجعله زيادة على هدى كان قبله، وكما أنّه قال قائل لمّا علموا زدناهم علما إلى علمهم، ولم يكن في ذلك إخبار عن خاصية العلم وحده، وحقيقته المحيطة به، فكذلك ذكر الهداية والزيادة فيهما لا ينبئ عن معناها.