قال - عليه الرحمة:
{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا}
الدنيا حلوة خَضِرَة، ولكنها في التحقيق مُرَّةٌ مَذِرَة، فَبِشْرُها يُوهِمُ أنها صَفْوٌ ولكن مِن وراءِ صَفْوِها حَسُوٌ {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} .
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
الدنيا سمومُ حَنْظَلِها تتلو طمومَ عَسَلِها، وتَلَفُ ما يحصل من شربها يغلب لُطْفَ ما يظهر من أربها، وليس من أُكْرِمَ بوجدان نعيم عقباه كَمَنْ مُنِيَ بالوقوع في جحيم دنياه.
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62)
إنما يكون ذلك على جهة التهويل وإبطال كيد أهل التضليل .. وإلاَّ فَمِنْ أين لهم الجواب فضلاً عن الصواب! والذي يسألهُم هو الذي على ما شاء جَعَلَهم؛ فما وَرَدَ فِعْلٌ إلا على فِعْلِهِ، وما صَدَرَ ما صَدَرَ إلا من أصْلِه. وإذْ تَبَرَّأَ بعضُهم من بعض بَيَّنَ أنه لم يكن للأصنام استحقاقُ العبودية ولا لأحدٍ من النفي والإثبات بالإيجاد والإحداثِ ذَرَّةَ أو منه شظيَّة .. كلاّ بل هو الواحد القهار.
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)
يسألهم سؤالَ هيبةٍ؛ فلا يَبْقَى لهم تمييزٌ، ولا قوةُ عقلٍ، ولا مُكْنَةُ جوابٍ، قال جلّ ذكره:
{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ} .
إذ استولت عليهم الحَيْرَةُ، واستمكن منهم الدهشُ؛ فلا نُطْقَ ولا عقلَ ولا تمييز ولا فهم. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 75 - 76}