{وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى}
هو الرجل المؤمن من آل فرعون، جاء لينصح موسى بالخروج والهرب قبل أنْ يُمسِكوا به فيقتلوه.
فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)
لأنهم يضطهدوننا ويعذبوننا من غير ما جريرة، فما بالك بعد أنْ وجدوا فرصة وذريعة ليزدادوا ظلماً لنا؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ}
معنى {تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ} [القصص: 22] يعني: ناحيتها، وأراد أنْ يهرب من مصر كلها، ولم يكُنْ يقصد مدين بالذات، إنما سار في طريق صادف أنْ يؤدي إلى مدين بلد شعيب عليه السلام.
ولو كانت مَدْينُ مقصودة له لما قال بعد توجهه: {عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل} [القصص: 22] فموسى حينما خرج من مصر خائفاً يريد الهرب لم يفكر في وجهة معينة، فالذي يُهمه أنْ يخرج من هذه البلدة، وينجو بنفسه.
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ
عرض القرآن الكريم هذه القصة في إيجاز بليغ، ومع إيجازها فقد أوضحتْ مهمة المرأة في مجتمعها، ودور الرجل بالنسبة للمرأة، والضرورة التي تُلجئ المرأة للخروج للعمل.
معنى {وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ} [القصص: 23] يعني: جاء عند الماء، ولا يقتضي الورود أن يكون شَرِب منه. والورود بهذا المعنى حلَّ لنا الإشكال في قوله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا} [مريم: 71] فليس المعنى دخول النار، ومباشرة حَرِّها، إنما ذاهبون إليها، ونراها جميعنا إذن: وردْنا العَيْن. يعني: جئنا عندها ورأيناها، لكن الشرب منها، شيء آخر.