فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 338212 من 466147

(فصل)

قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :

فإن قيل: فلم أُمِرَتْ بإلقائه في الماء؟

قال أبو حنيفة ابن النُّوبي: ليختفي على الكهان أمره، لأن المولود إذا وقع في الماء خفي نجمه [1] .

وقيل أيضًا: قيل لأمِّه: اطرحيه في التلف لأنجيه بالتلف.

فإن قيل: فأي مناسبة بين الماء والنار؟ ولم كان مبدأ موسى ومنتهاه معهما؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: لأن الماء مغرق، فكأن فيه إشارة إلى هلاك عدوِّه ونجاته. وأما النار فمن عاداتها الإحراق، ولكن ظهرت معجزات موسى بأن حصل له المقصود بالتكليم منها.

والثاني: لأن طبع النار على تليين الأشياء، وطبع الماء على الترطيب، فأثَّر ذلك في العصا التي كانت في معجزاته.

والثالث: أن في النار والماء بقاءَ العالم، فكذلك كان في موسى حياة الدِّين.

وقال الضحاك: لما ألقته أمه في النار خافت، فلما ألقته في اليم ندمت وجزعت، فربط الله على قلبها، فقالت لأخته مريم: {قُصِّيهِ} [القصص: 11] أي: اتبعي آثاره، فدخلت دار فرعون فوجدته عند آسية، وقد جمعت له المراضع فلم يقبل ثديًا، فقالت مريم أخته: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه: 40] أي: من يرضعه ويضمه إليه؟ فقالت آسية: نعم، فأرسلت إلى أمه فجاءت فأعطته ثديها فقبله وشرب ونام، فذلك قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ} [طه: 40] وفي مصحف أبيِّ بن كعب:"فرددناك إلى أمك كي تقر عينها بلقائك". فلما تمَّ رَضاعُهُ رَدَّتْهُ إلى دار فرعون، فأخذه يومًا في حجره، فمدَّ يده للحيته، فقال: عليَّ بالذابح، فقالت آسية: إنما هو صبيٌّ لا عقل له، وأحضرت ياقوتًا وجمرًا فأخذ جمرة فوضعها في فيه، فاحترق لسانه، فذلك قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه: 27 - 28] .

فإن قيل: فأنَّى اشتبه بالنار؟ ويوم التنور ألقي فيها فلم تحرق لسانه؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أنه قال لفرعون يومًا: يا"بابا"، فعوقب لسانه ولم تعاقَبْ يده لأنها مَدَّتْ بلحية فرعون، ولهذا ظهرت المعجزة في اليد دون اللسان {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] .

فإن قيل: فـ"بابا"مخرجها من الشفتين، قلنا: لابدَّ للسان من فعل لأنه آلة النطق، فقد وجدت المشاركة.

والثاني: أنه لم يحترق في التنور ليدوم الأنس بينه وبين النار إلى ليلة التكليم.

والثالث: أنها لم تحترق يده ليجاهد بها فرعون، وذلك بحمل العصا. وهذا الذي ذكرناه في بداية موسى ذَكَرَه مَنْ سمينا في أول الفصل من العلماء.

[1] فيه نظر، والأولى تعليل ذلك بيقينها وثقتها في وعد الله، فالوحي ينقل العبد من الشك إلى اليقين. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت