وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ(20) . يحتمل أن يكون أقصى المدينة هو سكن فرعون ومقامه، فمنه جاءه ذلك الرجل.
أو أن يكون أقصى المدينة: موطن الملأ والألثراف الذين ذكر أنهم ائتمروا على قتله.
وقوله: (يَسْعَى) : والسعي: هو العَدْوُ في اللغة، كأنه يسرع المشي إليه ليخبره بذلك.
وقوله: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ) .
(يَأْتَمِرُونَ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: يتشاورون في قتلك.
وقال الزجاج: (يَأْتَمِرُونَ بِكَ) . أي: يأمر بعضهم بعضا أن يقتلوك.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (يَأْتَمِرُونَ) : أي يهمون في قتلك، وذكر عنه أنه قال: (يَأْتَمِرُونَ) : يتشاورون بك؛ وهو قول أبي عَوْسَجَةَ.
وأصل الائتمار في اللغة هو الطاعة والاتباع لما يؤمر من الفعل، كأن فرعون أمر الملأ أن يقتلوه فأطاعوه وائتمروا لأمره، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) : قال الزجاج: قوله: (لَكَ) صلة، والصلة لا
تتقدم الموصول به، ولكن معناه: فاخرج إني لك من الناصحين الذين ينصحون لك، وليس كما قال؛ الصلة تتقدم وتتأخر، وذلك ظاهر في الكلام.
وقوله: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(21)
قد ذكرنا هذا.
دل قوله: (خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) : أن الخوف قد يكون من دون اللَّه.
وجائز أن يخاف من غيره، وليس كما يقول بعض الناس: إنه لا يسع الخوف من دون اللَّه، وحقيقة الخوف تكون من اللَّه يخاف أن ينتقم منه على يدي هذا، واللَّه أعلم.
وقوله: (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) : يحتمل الظالم كل مشرك؛ لأن كل مشرك ظالم.