الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَنَى اللَّهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْهُ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِي عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ أَصْبَحَ مِنْهُ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا: كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ذِكْرِ ابْنِهَا مُوسَى.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى أَنَّ فُؤَادَهَا أَصْبَحَ فَارِغًا مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ أَوْحَاهُ إِلَيْهَا، إِذْ أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهُ فِي الْيَمِّ فَقَالَ {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ، وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} قَالَ: فَحَزِنَتْ وَنَسِيَتْ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهَا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} مِنْ وَحْيِنَا الَّذِي أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «قَدْ كَانَتْ أُمُّ مُوسَى تَرْفَعُ لَهُ حِينَ قَذَفَتْهُ فِي الْبَحْرِ، هَلْ تَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ، حَتَّى أَتَاهَا الْخَبَرُ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ أَصَابَ الْغَدَاةَ صَبِيًّا فِي النِّيلِ فِي التَّابُوتِ، فَعَرَفَتِ الصِّفَةَ، وَرَأَتْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي يَدَيْ عَدُوِّهِ الَّذِي فَرَّتْ بِهِ مِنْهُ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُهَا فَارِغًا مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا فِيهِ قَدْ أَنْسَاهَا عَظِيمُ الْبَلَاءِ مَا كَانَ مِنَ الْعَهْدِ عِنْدَهَا مِنَ اللَّهِ فِيهِ» .
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: مَعْنَى ذَلِكَ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} مِنَ الْحُزْنِ، لِعِلْمِهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ.
قَالَ: وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: دَمٌ فَرَغَ: أَيْ لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ؛ وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنًى لَهُ لِخِلَافِهِ قَوْلَ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ هَمِّ مُوسَى.