وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ فِيهِ بِالصَّوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} وَلَوْ كَانَ عَنَى بِذَلِكَ: فَرَاغَ قَلْبِهَا مِنَ الْوَحْيِ لَمْ يُعَقِّبْ بِقَوْلِهِ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ قَارَبَتْ أَنْ تُبْدِيَ الْوَحْيَ، فَلَمْ تَكَدْ أَنْ تُبْدِيَهُ إِلَّا لِكَثْرَةِ ذِكْرِهَا إِيَّاهُ، وَوُلُوعِهَا بِهِ. وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ بِهِ وَلِعَةٌ إِلَّا وَهِيَ ذَاكِرَةٌ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فَارِغَةَ الْقَلْبِ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهَا. وَأُخْرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا أَصْبَحَتْ فَارِغَةَ الْقَلْبِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ فَرَاغَ قَلْبِهَا مِنْ شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا قَامَتْ حُجَّتُهُ أَنَّ قَلْبَهَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَازِعًا» مِنَ الْفَزَعِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي عَادَتْ عَلَيْهِ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {بِهِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، وَعَلَيْهِ عَادَتْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،" {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أَنْ تَقُولَ: يَا ابْنَاهُ"
عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ:"لَمَّا جَاءَتْ أُمُّهُ أَخَذَ مِنْهَا، يَعْنِي الرَّضَاعَ، فَكَادَتْ أَنْ تَقُولَ: هُوَ ابْنِي، فَعَصَمَهَا اللَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} ".
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا أَوْحَيْنَاهُ إِلَيْهَا: أَيْ تَظْفَرُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَادَتْ لَتَقُولُ: يَا بُنَيَّاهُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عُقَيْبُ قَوْلِهِ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} فَلَأَنْ يَكُونَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ إِجْمَاعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى، لِقُرْبِهِ مِنْهُ، أَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ الْوَحْيِ.