وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي} بِمُوسَى فَتَقُولُ: هُوَ ابْنِي. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ صَدْرَهَا ضَاقَ إِذْ نُسِبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَقِيلَ ابْنُ فِرْعَوْنَ.
وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ {لَتُبْدِي بِهِ} لَتُظْهِرهُ وَتُخْبِر بِهِ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:" {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} قَالَ: لَتُعْلِنُ بِأَمْرِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"
وَقَوْلُهُ: {لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا}
يَقُولُ: لَوْلَا أَنْ عَصَمْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ بِتَثْبِيتِنَاهَا وَتَوْفِيقِنَاهَا لِلسُّكُوتِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: عَصَمْنَاهَا مِنْ إِظْهَارِ ذَلِكَ وَقِيلِهِ بِلِسَانِهَا، وَثَبَّتْنَاهَا لِلْعَهْدِ الَّذِي عَهِدْنَا إِلَيْهَا {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} بِوَعْدِ اللَّهِ، الْمُوقِنِينَ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَقَالَتْ} أُمُّ مُوسَى لِأُخْتِ مُوسَى حِينَ أَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ {قُصِّيهِ}
يَقُولُ: قُصِّي أَثَرَ مُوسَى، اتْبَعِي أَثَرَهُ، تَقُولُ: قَصَصْتُ آثَارَ الْقَوْمِ: إِذَا اتَّبَعْتَ آثَارَهُمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،" {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} أَيْ قُصِّي أَثَرَهُ وَاطْلُبِيهِ هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا، أَحَيٌّ ابْنِي أَوْ قَدْ أَكَلَتْهُ دَوَابُّ الْبَحْرِ وَحِيتَانُهُ؟ وَنَسِيَتِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ وَعَدَهَا"
وَقَوْلُهُ: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَصَّتْ أُخْتُ مُوسَى أَثَرَهُ، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ: يَقُولُ فَبَصُرَتْ بِمُوسَى عَنْ بُعْدٍ لَمْ تَدْنُ مِنْهُ وَلَمْ تَقْرَبْ، لِئَلَّا يُعْلَمَ أَنَّهَا مِنْهُ بِسَبِيلٍ. يُقَالُ مِنْهُ: بَصُرْتُ بِهِ وَأَبْصَرْتُهُ، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَأَبْصَرَتْ عَنْ جُنُبٍ، وَعَنْ جَنَابَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
أَتَيْتُ حُرَيْثًا زَائِرًا عَنْ جَنَابَةٍ ... فَكَانَ حُرَيْثٌ عَنْ عَطَائِي جَاحِدَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَنْ جَنَابَةٍ: عَنْ بُعْدٍ.