ولم يرجع، ويقال عقّب المقابل إذا كرّ بعد الفرار، قال:
فما عقّبوا إذ قيل هل من معقّب ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا يصف قوما بالجبن وأنهم إن قيل:
هل من معقّب وراجع على عقبه للحرب؟ فما رجعوا إليها، ولا نزلوا يوم الحرب، منزلا من منازلها، أي:
لم يقدموا مرة على العدو.
أقول: وهذا من الكلم المفيد الذي كان ينبغي أن يكون له مكان في العربية المعاصرة، وذلك للحاجة إليه في أحوال مشابهة.
3 -وقال تعالى: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ(13) .
المبصرة: الظاهرة البيّنة، جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها، لأنهم لابسوها، وكانوا منها بنظرهم وتفكيرهم فيها.
أقول: وهذا شيء من استعمالات لغة القرآن البديعة، التي تأتي بغير المألوف من إسناد الأفعال، وذلك يحقّق فوائد في إدراك المعاني وتصويرها، على نحو لم يلتفت إليه أهل النظر.
4 -وقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ [الآية 18] .
أقول جاء الفعل «يحطم» في هذه الآية فعلا ثلاثيا.
ومثله ما جاء في قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ(42) [القصص] .
والفعل «قبح» في قوله تعالى مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) ثلاثي أيضا.
أقول: والفعلان في العربية المعاصرة مزيدان بالتضعيف ولا نعرف صيغة الثلاثي فيهما فيقال: حطم القيد وحطّم الزّجاج، على الحقيقة وحطّم الأحوال، وفلان محطّم أي: متعب مريض، على سبيل المجاز.
ومثله يقال: قبّحه الله في الدعاء عليه. 5 - وقال تعالى: (وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [الآية 19] .
أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، أي: كفّني عن الأشياء إلّا عن شكر نعمتك، وكفّني عما يباعدني عنك.
أقول: وهذا من الأفعال ذات المعاني المفيدة.
6 -وقال تعالى: (فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ [الآية 36] .
حذفت الياء من قوله تعالى: (أَتُمِدُّونَنِ وحقها أن تثبت لأنها ضمير في موضع المفعول به، والاكتفاء بالكسرة من خط المصحف.
والاكتفاء بالكسرة ربما كان للاهتمام بالكلمة التالية، وهي بِمالٍ، فكأن قصر المد والاكتفاء بكسر النون يغري السماع، ويدفعه إلى الاهتمام بالكلمة اللاحقة.
7 -وقال تعالى: (فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها [الآية 37] .
وقوله تعالى: (لا قِبَلَ أي: لا طاقة.