لا تسقني ماء الملام فإنني... صب قد استعذبت ماء بكائي
جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئاً من ماء الملام ، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئاً من ماء اللمام فلا حجة فيه ، لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحاً ، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما ، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود ، ونظيره في القرآن الإضافة في قوله: {مَطَرَ السوء} [الفرقان: 40] و {عَذَابَ الهون} [الأنعام: 93] أي مطر حجراة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه ، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه. والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح ، أن خفض الجناح كنى به عن ذل الإنسان ، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما ، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية كإسناد الكذب ، والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} [العلق: 16] ، وكإسناد الخشوع ، والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةُ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} [الغاشية: 23] ، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ، وفي كلام العرب.