[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(الآيات البينات على صدق الوحي والنبوات)
للشيخ/ محمد رشيد رضا
الدرس 29
الآيات البينات على صدق الوحي والنبوات
(المسألة 63) الآية أو المعجزة:
عبَّر القرآن الكريم عما أيَّد الله تعالى به الأنبياء لأجل إذعان الناس لهم
وقبولهم دعوتهم بالآيات، واصطلح المتكلمون على تسميتها معجزات، واختلفوا في
وجه دلالة المعجزة على صدق النبي الذي ظهرت على يديه هل هي عقلية أو عادية
أو وضعية؛ لأنها بمعنى قوله تعالى: صدق عبدي فيما يبلِّغ عني، ولا نبحث في
مثل هذه الخلافات النظرية؛ وإنما نقول: إن القصد منها الحمل على قبول الدعوة
والإذعان للرسالة عند استعداد الأمة لذلك، وإقامة الحجة البالغة على المعاندين
بحيث ينقطع لسان الاعتذار من أهل الجحود والإنكار.
وقد كان ما جاء به كل نبي كافيًا في هذا المقصد، فاهتدى بهديهم كثيرون من
المستعدين، وحقت الكلمة على المكابرين قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ
أَجْمَعِينَ (الأنعام: 149) فالآية أو المعجزة أمر يؤيد الله تعالى به نبيه،
ويخضع له به النفوس، وكان يختلف باختلاف الأمم ومعارفها ودرجات ارتقائها،
ومهما اختلفت الآيات وكثرت أفرادها؛ فإنها ترجع إلى نوعين آيات كونية آفاقية
وآيات علمية نفسية.
م (64) الآيات الكونية الآفاقية:
أودع الله في فطرة الإنسان الاعتقاد بقوة غيبية تعلو جميع القوى، وقدرة
علوية تفوق جميع القُدَر، وأودع في غريزته ميلاً لمعرفة الأشياء بعللها وأسبابها
والوقوف على مناشئها وآثارها، فإذا رأى شيئًا لا يعرف له سببًا طبيعيًّا، ولا منشأ
كسبيًّا، يحيله على تلك القوة الغيبية، والسلطة السماوية، ويعبد المظهر الذي قام
به ويخضع ويستخذي للرجل الذي برز على يده، وذلك الاعتقاد كان أصلاً للوثنية
ثم به جذب الإنسان إلى الإيمان عندما ارتقى إلى درجة يميز فيها بين مظاهر
الآيات والغرائب ومجاليها، وبين موجدها الحقيقي ومنشيها، ارتقى في الوثنية من
الخضوع والعبادة لأبسط المظاهر الطبيعية إلى عبادة أعظمها وأبدعها كالكواكب