والإنسان، ثم ارتقى من الوثنية إلى التوحيد عندما استعد في ارتقائه إلى فهمه كما
قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} (البقرة: 213) وهذا الارتقاء الذي غايته التوحيد هو الذي نطقت به
الآية الشريفة {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)
(راجع المنار ج 8 م 4) .
لكن الذين يخضعون لمن تظهر على يديه أمور خارقة للعوائد المألوفة ومخالفة
للسنن المعروفة، لمجرد الجهل بمناشئها، وعدم نفوذ عقولهم إلى حقيقتها - يكونون
دائمًا عرضة للانخداع بشعوذة المشعوذين وحيل السحرة والدجالين، ومستعدين
للرجوع إلى الوثنية، وعبادة من ظهرت على يديه الخارقة الكونية، ألم تر إلى بني
إسرائيل حين أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم كيف قالوا: يَا مُوسَى اجْعَل
لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (الأعراف: 138) ثم كيف اتخذوا العجل بأيديهم وعبدوه،
ثم إلى النصارى كيف عبدوا السيد المسيح عليه السلام، ولكن لا مَنْدُوحة عن هذا؛
لأن نظام الارتقاء الذي أقام الله فيه نوع الإنسان يقتضيه فإن الإنسان في تلك الأمم
لم يكن مرتقيًا إلى فهم البراهين على مسائل الاعتقاد، وفهم الحكمة من الشرائع
والأحكام الأدبية والعملية، والآيات الكونية التي أوتيها موسى وعيسى عليهما
الصلاة والسلام ليست براهين على ما يجب اعتقاده من تنزيه الله وتوحيده ومعنى
النبوة، وما يجب اعتقاده في النبي، ولا على منفعة الآداب والأحكام التي جاء بها
وموافقتها لمصلحة البشر؛ وإنما هي شيء تخضع له النفس وتستخذي أمام صاحبه
أو تحمله على ما يشابهه مما يسمع ويرى من السحرة والمشعوذين، أما الذي يصلح
برهانًا قاطعًا على صدق النبي لا يمكن لمن آمن بسببه أن يرجع عن الإيمان، فهو
النوع الثاني وهو الآيات النفسية والعلمية التي منحها الله تعالى للإنسان عندما ارتقى
ارتقاء يمكنه به فهمها.
م (65) الآيات النفسية العلمية:
هي ما تدل على صدق النبي دلالة حقيقية بالبرهان الذي يجزم العقل بأن
صاحبها مؤيد من الله تعالى، وموحى إليه ما بلَّغه ودعا إليه؛ لأنها عبارة عن كون