حال النبي وما جاء به يشهدان بأنهما لا يمكن أن يكونا إلا بإمداد إلهي ووحي
سماوي؛ لأنها كحجة من يدعي الطب ويستدل على دعواه بمعالجة المرضى
وشفائهم على يده، وبالإتيان بكتاب في الطب إذا عمل به الناس تذهب أمراضهم
وتحفظ صحتهم؛ ولكن مدعي الطب إذا استدل على صدقه بأنه يقلب العصا حية،
ويكشف حيلة مشعوذ يُري الناس الحبال والعصي حيَّات وثعابين، وفعل ذلك لم يكن
بين الدليل والمدلول اتصال يربط أحدهم بالآخر؛ وإنما خضع من خضع من الناس
لسيدنا موسى بما ظهر على يديه من الآيات الكونية لما رسخ في طباعهم من
الخضوع لكل ذي مظهر غريب يفوق إدراكهم؛ لأنها براهين أقنعت عقولهم بصدق
الدعوى التي قام بها ألا تراهم كيف حنُّوا إلى عبادة الأصنام، وطلبوا من موسى أن
يجعل لهم إلهًا مثلها، على أنهم لم يميزوا بينها وبين السحر إلا أن صاحبها غلب
السحرة، اللهم إلا السحرة أنفسهم فإنهم عرفوا الفرق بينها وبين ما جاءوا به من
التمويهات الصناعية والشعوذة التخييلية؛ ولذلك اختاروا القتل والصلب على
الرجوع عن الإيمان.
م (66) آية خاتم الأنبياء والمرسلين:
لما استعد النوع الإنساني إلى معرفة الحق من الباطل بالبرهان والتمييز بين
الخير والشر بالدليل والحجة، وكان لا بد له في هذا الطور من معلم ومرشد كما في
الأطوار الأخرى أرسل الله تعالى إليه رسولاً يهديه إلى طرق النظر والاستدلال،
ويأمره بأن يرفض التقليد البحت والتسليم الأعمى، وأن لا يأخذ شيئًا إلا بدليل
وبرهان يوصل إلى العلم القطعي فيما لا بد فيه من القطع، وإلى الظن الغالب فيما
تقوم المصلحة فيه بالاكتفاء بغلبة الظن، وكانت عمدة هذا الرسول عليه الصلاة
والسلام في الاستدلال على نبوته ورسالته نفسه وما جاء فيه من النور والهدى
كالطبيب الذي يستدل على إتقانه صناعة الطب بما يبديه من العلم والعمل الناجح
فيها.
قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} (البقرة: 23) فتحداهم في الآية بالإتيان بسورة هادية للناس كسور القرآن من أميٍّ لم يتربَّ، ولم يتعلم شيئًا مثل النبي الذي جاء به، وقال تعالى: يس *