[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(باب الصّديق والعدو)
قال ابن عبد البر:
قال جعفر بن محمد: لقد عظمت منزلة الصّديق حتى عند أهل النار، ألم تسمع إلى قوله الله تعالى حاكيا عنهم:"فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم".
قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ صديقه في غيبته وبعد وفاته.
قال سويد بن الصّامت:
ألا ربّ من تدعو صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشّهد ما كان شاهداً ... وبالغيب مأثورٌ على ثغره النّحر
تبين لك العينان ما هو كاتمٌ ... من الشرّ بالبغضاء والنظر الشّزر
يسرّك باديه وتحت أديمه ... تميمة غشّ تبترى عقب الظهر
فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالى من يريش ولا يبرى
كان أبو العباس السّفاح إذا تعادى اثنان من أهل بطانته لا يسمع من أحد منهما في صاحبه شيئاً، وإن كان عدلا، ويقول: العداوة تزيل العدالة.
كان يقال: لا تجالس عدوّك فإنه يحفظ عليك عيوبك، ويماريك في صوابك.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ابذل لصديقك كلّ المودة، ولا تبذل له كلّ الطمأنينة، وأعطه من نفسك كلّ المواساة، ولا تفضي إليه بكلّ الأسرار.
روي عن عليّ بن الحسين رحمه الله، أنه قال: لا يكون الصديق صديقاً حتى بقطع لأخيه المؤمن قطعةًمن دينه يرقّعها بالاستغفار.
قال غيره: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقاً، ولعدوّ صديقه عدوا.
قال يزيد بن الحكم الثّقفي:
تصافح من لا قيت لي ذا عداوه ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى
في أبيات قد ذكرتها في باب البغي والحسد وغيره، وفي رواية أخرى:
عدوّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت صديقي ليس ذاك بمستوى
وقال آخر:
عدوّ صديقي داخلّ في عداوتي ... وإنّي لمن ودّ الصديق ودود
فلا تقترب مني وأنت عدوّ من ... أصادقه فالخير منك بعيد
وقد أنشد المبرد هذين البيتين على قافية القاف على ما رواه شيخنا عيسى عن ابن مقسم، قال: أنشدني أبو على إسماعيل بن محمد الصّفّار، قال: أنشدني أبو العباس المبردّ:
صديق عدوي داخل في عداوتي ... وإنيّ على ودّ الصديق صديق
أعادي الذي عادى وأهوى له الهوى ... كأنّي منه في هواه شقيق
وقال العتّابي:
تودّ عدوّى ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي عنك لعازب
وليس أخي من ودّني رأى عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب
قال آخر:
إذا والى صديقك من تعادي ... فقد عاداك وانقطع الكلام