ومن لطائف ونكات تفسير أبي السعود:
{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) }
وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصَّريحِ لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتَّشويقِ إلى المؤخَّرِ.
{فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين} أي مُنقادين. وأصلُه فظلوا لها خاضعين فأقتحمت الأعناقُ لزيادةِ التَّقريرِ ببيانِ موضعِ الخضوعِ وتُرك الخبرُ على حالِه.
وقيل لمَّا وُصفت الأعناقُ بصفاتِ العُقلاء أُجريتْ مجراهم في الصِّيغةِ أيضاً كَما في قولِه تعالى {رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ}
وقيل أُريد بها الرُّؤساءُ والجماعاتُ من قولِهم جاءنا عنقٌ من النَّاسِ أي فوجٌ منهم.
{قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) }
أي إنْ كنتُم تعقلون شَيْئاً من الأشياءِ أو إنْ كنتُم من أهلِ العقلِ علمتُم أنَّ الأمرَ كمَا قتله، وفيه إيذانٌ بغايةِ وضوحِ الأمرِ بحيثُ لا يشتبه على مَن له عقلٌ في الجُملةِ، وتلويحٌ بأنَّهم بمعزلٍ من دائرةِ العقلِ وأنَّهم المتَّصفون بما رَمَوه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ به من الجنونِ.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) }
وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على استقرارهم على عدمِ الإيمانِ واستمرارهم عليه، ويجوزُ أن يجعل {كان} بمعنى صَار كما فعل ذلك في قولِه تعالَى {وَكَانَ مِنَ الكافرين} فالمَعْنى وما صار أكثرُهم مؤمنين مع ما سمعُوا من الآية العظيمة الموجبة له بما ذُكر من الطرفين، فيكون الإخبارُ بعدم الصَّيرورةِ قبل الحدوث للدِّلالةِ على كمالِ تحقُّقهِ وتقرّره كقولِه تعالى {أتى أَمْرُ الله} الآيةَ.
{وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) }