قال العلامة نظام الدين النيسابوري:
التأويل: {ولو شئنا لبعثنا} فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية. ويروى أن موسى عليه السلام سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله تعالى: في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك. فقبض الله أرواحهم في ذلك اليوم. وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال. فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية {وجاهدهم} بهذا الخلاق {جهاداً كبيراً} لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم {وهو الذي مرج} بحر الروح وبحر النفس {هذا عذب فرات} من الأخلاق الحميدة الربانية {وهذا ملح أجاج} من الصفات الذميمة الحيوانية. والرزخ هو القلب. وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها. وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة {فجعله نسباً وصهراً} أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله {ونفخت فيه من روحي} [ص: 72] وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: {ويعبدون من دون الله} [يونس: 18] الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها {وما أرسلناك إلا مبشراً} لأهل النسب {ونذيراً} لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي. ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله. {وتوكل} اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}