قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ... (53) }
البناء على الضمير للاختصاص، والإتيان بالموصول في الخير تأكيد في الاختصاص؛ لأن قولك: وهو الذي فعل كذا يفيد الاختصاص.
قال ابن عرفة: فإن ابن عبد السلام حكى عن بعضهم في هذا، وفي قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ) أنه كان يستشكل الآية، ويقول أولها مناقض لآخرها، فإن قوله تعالى: (مَرَجَ) يعني اختلاطهما، وقوله تعالى: (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ) يقتضي افتراقهما، قال: وأجيب: بأن افتراقهما بالذات لكون المالح لَا يزال عذبا، واختلاطهما بالحس والمشاهدة، وقد ذكروا أن في تضمنه واد يصب فيه البحر المالح أحيانا فلا يغيره، ويصب هو في البحر أحيانا فلا يغيره، قال: وعادتهم يقولون: الأصل يقال: لقيت رجلين أحدهما صالح والإتيان باسم الإشارة فرع عن اسم الظاهر، فلما قال: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ) ، وكذلك في سورة القصص: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) ، قال: والجواب: أنه إن أريد التقسيم بالأمور العرضية فيؤتى باسم الإشارة، وإن أريد التعرض بالأمور الذاتية، فيقال: أحدهم كذا والآخر كذا، كما في حديث عبد الله بن عمر:"فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ".
قوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) }
أي كان ولم يزل، فإن أريد القدرة الصالحة فالمراد الدوام، وإن أريد القدرة الإيجادية فلا دوام لئلا يلزم قدم العالم. انتهى انتهى {تفسير ابن عرفة. 3/ 236 - 237} ...