[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ(13)
قال الزمخشري: أرسل إلى جبريل واجعله أي هارون نبيا وآزرني به واشدد به عضدي. اهـ. وذكر القرطبي: أرسل إليه جبريل بالوحي وجعله رسولاً معي.
موسى عليه السلام بعد أن أمره ربه (ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سأل ربه الرسالة لأخيه هارون لأنه أفصح منه، والداعية يحتاج إلى لسان وبيان وحجج ولأن لآل فرعون ذنبا عليه، فخاف أن يقتلوه فتنقطع دعوته أو تموت. ومفعول أرسل محذوف ذهب المفسرون إلى تقديره: جبريل. وليس بشيء.
أقول: لعل تضمين (أرسلَ) معنى (أوحى) يفتح لنا منافذ على المعنى يساعدنا عليه السياق. ففعل أوحى يتعدى بـ إلى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) و (أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) و (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) و... وموسى طلب من ربه أن يوحي إلى أخيه بالرسالة بلفظ (أرسلْ) أي أوحِ إليه بالرسالة: صيره رسولا. فجمع التضمين المعنيين الوحي والرسالة. ويأتي الجواب من ربه (كلا) بالردع تعقيبا على ما رغب فيه أو خاف منه: أخاف أن يكذبون ... ويضيق صدري ... ولا ينطلق لساني ... فأرسل إلى هارون ... فأخاف أن يقتلون.
ويذهب جُل المفسرين إلي إيقاع لفظ كلا على آخر حديث موسى (فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ(14) قَالَ كَلَّا) ويأتي التعقيب (فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . وهل يرد التأكيد بالتثنية في هذه الأوامر لولا ما أفاده النص (فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) من استجابة الدعاء؟!.
سياق القصة يطوي المسافات والأبعاد والأزمان ويترك فجوات بين المشاهد، ليصل إلى المواقف الحية مباشرة، لقد استجاب اللَّه دعوة موسى عليه السلام فإذا هارون عليه السلام رسول مع أخيه (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) .
أرأيت إلى حروف المعاني كيف سخرها التضمين في هذه اللغة الشريفة لتنهض بالمعنى إلى غايته وتكون مرقاة إلى تدبره! إنه التضمين: له غاية تُحيي القلوب ونظرة على كثرة الأغراض تهدي إلى الرشد
(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ...(173)
قال الزمخشري: أرسلنا عليهم نوعا من المطر عجيبا يعني الحجارة (فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) ومثله قال البيضاوي.
وذكر أبو حيان والجمل: ضمن أمطرنا معنى أرسلنا فلذلك عداه بـ (على) كقوله: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً) .