فصل فِي أسرار ترتيب سور القرآن
قال الإمام أبو جعفر ابن الزبير:
لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة المعاندين وختمت بما ذكر في الوعيد كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه السلام وتأسفه على فوت إيمانهم لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق، فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه السلام وأنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه:"لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) "
وقد تكرر هذا المعنى عند إرادته تسليته عليه السلام كقوله تعالى:"ولو شاء الله لجمعهم على الهدى"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَ"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ""
ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ"وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى"."
وقل ما تجد في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصة
موسى عليه السلام وما كابد من بني إسرائيل وفرعون، وفي كل قصة منها إحراز ما لم تحرزه الأخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكرر، وإنه ظَنَّ ذلك من لم يمعن النظر، فما من قصة من القصص المتكرر في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر إزالتها لنقص من الفائدة ما لا يحصل من غيرها وسنوضح هذا في التفسير بحول الله تعالى.