63 -ثم وصف الله سبحانه عباده المخلصين بصفات تسع:
الأولى: ما ذكره بقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، دون عباد الدنيا والشيطان والنفس والهوى، فإنهم وإن كانوا عبادًا بالإيجاد، لكنهم ليسوا بأهل لإضافة التشريف والتفضيل من حيث عدم اتصافهم بالصفات الآتية التي هي آثار رحمته تعالى الخاصة المفاضة على خواص العباد، والمعنى: وعباد الرحمن المقبولون؛ وهو مبتدأ، خبره قوله: {الَّذِينَ يَمْشُونَ} ؛ أي: هم الذين يمشون {عَلَى الْأَرْضِ} التي هي غاية في الطمأنينة والسكون والتحمل، حال كونهم {هَوْنًا} ؛ أي: هيّنين ليّني الجانب من غير فظاظة، أو يمشون مشيًا هينًا على أنه مصدر وصف به، والمعنى: أنهم يمشون بسكينة وتواضع، لا بفخر وفرح ورياء وتجبر، ولا يضربون بأقدامهم الأرض، ولا يخفقون بنعالهم، وذلك لما طالعوا من عظمة الحق وهيبته، وشاهدوا من كبريائه وجلاله، فخشعت لذلك أرواحهم، وخضعت نفوسهم وأبدانهم.
والمعنى: أي وعباد الله الذين حق لهم الجزاء والمثوبة من ربهم هم الذين يمشون في سكينة ووقار، لا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا وبطرًا.
روي أن عمر رأى غلامًا يتبختر في مشيته، فقال: إن البخترة مشية تكره إلَّا في سبيل الله، وقد مدح الله أقوامًا، فقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} فاقصد في مشيتك. وقال ابن عباس: هم المؤمنون الذين يمشون علماء حلماء ذوي وقار وعفة. وفي الحديث: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس في الإيضاع". السير السريع. وفي صفته - صلى الله عليه وسلم -: (أنه إذا زال .. زال تقلعًا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونًا ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب) .