[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} وقال في سورة الأنبياء وهو ما وجب ذكره هناك: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} .
للسائل أن يسأل: ما الذي خصص ذكر «الرحمن» بسورة الشعراء، وذكر «ربهم» بسورة الأنبياء؟
الجواب: أنه إنما خص هذين الوصفين من صفات الله تعالى في هذين الموضعين لأن الرب هو القائم بمصالح الخلق من ابتداء التربية إلى آخر العمر، والرحمن هو المنعم عليهم في الدنيا بما خلق فيها، والمعرض للنعيم الدائم بعدها، وإيتائهم بالذكر من عنده وهو القرآن العظيم مما يصلحهم فوق ما تصلحهم الأغذية المخلوقة لهم، فذكر أن الرب الذي أصلح بأنواع ما خلق أجسادهم أصلح بما صرفهم عليه من طاعته أديانهم، فهو ما يقتضيه الوصف بالرب والوصف بالرحمن وأما اختصاص سورة الشعراء بالرحمن، فلأن السورة مقصود بها ذكر الأمم الذين بعث إليهم الأنبياء عليهم السّلام، وختم على كل قصة من قصصهم بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} وأولها قصة موسى عليه السّلام، {وَإِذْ نَادى رَبُّكَ مُوسى} ، فاتّصف تعالى بالعزيز الرحيم لما يوجبانه من الخوف والرجاء اللذين بهما لزوم الطاعات، والرغبة فيما علا من الدرجات، وأراد بالرحمة: أن هذه الأمة أمهلت لتقلع عن تمردها، وتعود إلى ربها وتتوب