ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
{وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) }
فالأول عطفه بالواو التي هي للجمع، وتقديم الإطعام على الإسقاء، والإسقاء على الإطعام جائز لولا مراعاة حسن النظم، ثم عطف الثاني بالفاء؛ لأن الشفاء يعقب المرض بلا زمان خال من أحدهما، ثم عطف الثالث بثم؛ لأن الإحياء يكون بعد الموت بزمان، ولهذا جيء في عطفه بثم التي هي للتراخي.
ولو قال قائل في موضع هذه الآية: الذي يطعمني ويسقين، ويمرضني ويشفين ويميتني ويحيين لكان الكلام معنى تام إلا أنه لا يكون كمعنى الآية، إذ كل شيء منها قد عطف بما يناسبه، ويقع موقع السداد منه.
{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) }
فإن معنى: {فَكُبْكِبُوا} من الكب، وهو القلب، إلا أنه مكرر المعنى، وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب؛ لأنه موضع يقتضي ذلك.
ولربما نظر بعض الجهال في هذا، فقاس عليه زيادة التصغير، وقال: إنها زيادة، ولكنها زيادة نقص؛ لأنه في اللفظ حرف، كقولهم في الثلاثي في رجل:
"رجيل"، وفي الرباعي في قنديل:"قنيديل"، فالزيادة وردت ههنا، فنقصت من معنى هاتين اللفظتين.
وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدد ذكره؛ لأنه عار عن معنى الفعلية، والزيادة في الألفاظ لا توجب زيادة في المعاني إلا إذا تضمنت معنى الفعلية؛ لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت استحال معناها.
ألا ترى أنا لو نقلنا لفظة"عذب"- وهي ثلاثية - إلى الرباعي، فقلنا:"عذيب"، على وزن"جعفر"، لاستحال معناها، ولم يكن لها معنًى.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) }
ومما ورد في القرآن الكريم مكررا قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} .