قال - عليه الرحمة:
{فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) }
ويقال في القصة: إن موسى وهارون كانا يترددان على باب فرعون سنةً كاملةً ولم يجدا طريقاً إليه. ثم بعد سَنَةٍ عَرَضَا الرسالة عليه، فقابلهما بالتكذيب، وكان من القصة ما كان .. وقال فرعون لمَّا رأى موسى:
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)
فلم يكن لموسى - عليه السلام - جوابٌ إلا الإقرارَ والاعتراف
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)
قال: كل ذلك قد كان، وفررت منكم لمّا خفتكم، فأكرمني الله بالنبوة، وبعثني رسولاً إليكم ..
ويقال: لم يجحد حقَّ تربيته، والإحسانَ إليه في الظاهر، ولكن بَيَّنَ أنه إذا أمر اللَّهُ بشيءٍ وَجَبَ اتباعُ أمره. ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجِبُ حَقّاً فتربيةُ اللَّهِ أوْلَى بأن يُعَظِّمَ العبدُ قَدْرَها.
قوله: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} : يجوز حَمْلُه على ظاهره، وأنه خاف منهم على نَفْسِه. والفرارُ - عند عَدَمِ الطاقة - غيرُ مذمومٍ عند كلِّ أحد.
ويقال: فررت منكم لمَّا خِفْتُ أن تنزل بكم عقوبةٌ من الله لِشُؤْمِ شِرْكِكِم، أو من قول فرعون: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى} [القصص: 38] .
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
ذَكَرَ فرعونُ - من جملة ما عدَّ على موسى من وجوه الإحسان إليه - أنه استحياه بين بني إسرائيل، ودفع عنه القتلَ، فقال موسى: أو تلك نعمة تمنها عليَّ؟ هل استعبادُك لبني إسرائيل يَعَدُّ نعمةً؟ إنَّ ذلك ليس بنعمة، ولا لَكَ فيها مِنَّة. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 3 صـ 8 - 9}