قوله - جلَّ ذكره: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا(53) .
البحر العذب مثل للإيمان وللهدى وللإله الحق، والبحر الملح مثل للكفر والهلاك والضلال وللآلهة الباطلة،
يقول - عز وجل -: مرج هذا مع هذا فاختلطا على حد محدود حده لهما، فلا ينبغي العذب
المحض على المختلط منهما والملح، ولا موضع المختلط يتعدى قدره إلى هذا
ولا إلى هذا.
يقول - جلَّ ذكره: (وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا) يعني، وهو أعلم: موضع
أخلاطهما (وَحِجْرًا مَحْجُورًا) في الثلاثة الأصناف، حيث رق الملح
والعذب، وحيث رق المختلط ومحض الملح من الطرف الآخر، والوسط الذي هو
حقيقة البرزخ؛ أي: منعًا ليس واحد منهما أن يتعدى حده، ثم قد يكون الحلي
المستخرج من البحر المالح واللحم الطري أكثر حدًا، وأحسن ذلك؛ لأنه قدر الفتنة
في هذه الدار أكثر، وجعل دوائرها على الأغلب أكثر، والدنيا إلى ذلك الحزب أميل
بمتاعها وحطامها، كذلك البحار المالحة أكثر ماء من العذبة وأوسع حدًا، ويكون
معنى إيراده هذا في معرض التعرية لنبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين؛ لأجل غلبة الباطل ذلك
الوقت وفي أكثر الأحوال إلا ما شاء الله.
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ...(54)
نبه جل ذكره - على قدرته على خلق البشر من الماء، وأن موجود
الإنسان من كونه ماء، كما قال: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)
وأنه نوعه نَسَبًا وَصِهْرًا، فالنسب ما لا يجوز النكاح فيه كالأم والأخت والعمة
والخالة، وما قد ذكره الله في كتابه وبينه رسوله، وجعل منه صهرًا، وهو ما ينكح
إليه، وهو ما شمله قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ) .
(فصل)
قال الله - جل قوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)
أي: يبين عن نفسه مراداته في خصومته، ويعرب بحجته - عز شأنه - ويكون المراد