الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَلَمْ تَرَ} يَا مُحَمَّدُ {كَيْفَ مَدَّ} رَبُّكَ {الظِّلَّ} وَهُوَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا}
يَقُولُ: وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ دَائِمًا لَا يَزُولُ، مَمْدُودًا لَا تُذْهِبُهُ الشَّمْسُ، وَلَا تَنْقُصُهُ.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا}
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ثُمَّ دَلَلْنَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِنَسْخِ الشَّمْسِ إِيَّاهُ عِنْدَ طُلُوعِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ رَبِّكُمْ، يُوجِدُهُ إِذَا شَاءَ، وَيَفْنِيهِ إِذَا أَرَادَ؛ وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {عَلَيْهِ} مِنْ ذِكْرِ الظِّلِّ. وَمَعْنَاهُ: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَى الظِّلِّ دَلِيلًا.
قِيلَ: مَعْنَى دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ الَّتِي تَنْسَخُهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ شَيْءٌ، إِذَا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِأَضْدَادِهَا، نَظِيرَ الْحُلْوِ الَّذِي إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْحَامِضِ , وَالْبَارِدُ بِالْحَارِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ قَبَضْنَا ذَلِكَ الدَّلِيلَ مِنَ الشَّمْسِ عَلَى الظِّلِّ إِلَيْنَا قَبْضًا خَفِيًّا سَرِيعًا بِالْفَيْءِ الَّذِي نَأْتِي بِهِ بِالْعَشِيِّ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ:" {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} قَالَ: حَوَى الشَّمْسُ الظِّلَّ".
وَقِيلَ: إِنَّ الْهَاءَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} عَائِدَةٌ عَلَى الظِّلِّ، وَإِنَّ مَعْنَى الْكَلَامَ: ثُمَّ قَبَضْنَا الظِّلَّ إِلَيْنَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ غَابَ الظِّلُّ الْمَمْدُودُ، قَالُوا: وَذَلِكَ وَقْتُ قَبَضِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {يَسِيرًا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: سَرِيعًا
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: قَبْضًا خَفِيًّا