15 -وبعد أن وصف سبحانه عقاب المكذبين بالساعة .. أردفه ما يؤكد حسرتهم وندامتهم فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المكذبين توبيخًا لهم وتقريعًا {أَذَلِكَ} العذاب المذكور من النار المسعرة الموصوفة بالصفات السابقة. والإشارة بقوله: ذلك إلى السعير المتصفة بتلك الصفات الفظيعة؛ أي: أتلك السعير {خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} والدوام {الَّتِي وُعِدَ} ها {الْمُتَّقُونَ} خير؛ أي: المتصفون بمطلق التقوى، التي هي اجتناب الشرك، فالمؤمن، وإن كان عاصيًا فهو متق لاتقائه الشرك. وجنة الخلد هي الدار التي لا ينقطع نعيمها, ولا ينقل عنها أهلها، وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح، وإلا فالجنة اسم للدار المخلدة. ويجوز أن تكون الجنة اسمًا يدل على البستان الجامع لوجوه البهجة، ولا يدخل الخلود في مفهومها، فأضيفت إليه للدلالة على الخلود،
فإن قيل: كيف يتصور الشك في أنه أيهما خير، حتى يحسن الاستفهام والترديد، وهل يجوز للعاقل أن يقول السكر أحلى أم الصبر، وهو دواء مر؟
قلت: يقال: ذلك في معرض التقريع والتهكم والتحسير على ما فات.
وفي"الوسيط"هذا للتنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن في السعير خيرًا. اهـ.
وقال بعضهم: هذا على المجاز، وإن لم يكن في النار خير. والعرب تقول العافية خير من البلاء، وإنما خاطبهم بما يتعارفون في كلامهم. وقيل: ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك عنده خير. قال النحاس: وهذا قول حسن كما قال الشاعر:
أَتَهْجُوْهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
{كَانَتْ} تلك الجنة الموصوفة {لَهُمْ} ؛ أي: للمتقين في علم الله تعالى، أو في اللوح المحفوظ. {جَزَاءً} وثوابًا على أعمالهم، بمقتضى الكرم لا بالاستحقاق {وَمَصِيرًا} يصيرون إليه، ومرجعًا يرجعون إليه. ومنقلبًا ينقلبون إليه.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف قال: في وصف الجنة، (كانت لهم جزاءً) ، بصيغة الماضي، مع أنها لم تكن حينئذٍ جزاءً ومصيرًا؟
قلت: إنما قال ذلك؛ لأن ما وعد الله به، فهو في تحققه كأنه قد كان، فلا بد من وقوعه، أو لأنه كان في اللوح المحفوظ أن الجنة جزاؤهم ومصيرهم.