ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
قَوله: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يسمع التغيظ، إِنَّمَا يعلم التغيظ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: قُلْنَا مَعْنَاهُ: سمعُوا غليان التغيظ، وَقَبله: سمعُوا لَهَا زفيرا أَي: علمُوا لَهَا تغيظا، قَالَ الشَّاعِر:
(رَأَيْت زَوجك فِي الوغى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
أَي: مُتَقَلِّدًا سَيْفا وحاملا رمحا، وَقَالَ آخر:
(علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا ...)
أَي: علفتها تبنا وسقيتها مَاء بَارِدًا. وَقد ذكرنَا معنى الزَّفِير، وَعَن عبيد بن عُمَيْر أَنه قَالَ: تزفر جَهَنَّم يَوْم الْقِيَامَة زفرَة، فَلَا يبْقى ملك وَلَا نَبِي مُرْسل إِلَّا خر بِوَجْهِهِ، حَتَّى إِن إِبْرَاهِيم يجثو على رُكْبَتَيْهِ، وَيَقُول: نَفسِي نَفسِي، وَلَا أُرِيد غَيرهَا.
قَوْله: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}
«فإنْ قيلَ» : لَيْسَ فِي: جَهَنَّم خير، أصلا، فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله: {أذلك خير أم جنَّة الْخلد} ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: قُلْنَا: الْعَرَب قد تذكر مثل هَذَا، وَإِن لم يكن فِي أَحدهمَا خير أصلا، يُقَال: الرُّجُوع إِلَى الْحق خير من التَّمَادِي فِي الْبَاطِل، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: إِنَّمَا ذكر لفظ"الْخَيْر"هَاهُنَا لِاسْتِوَاء المكانين فِي الْمنزل، على معنى أَنَّهُمَا منزلان ينزل فيهمَا الْخلق، فاستقام أَن يُقَال: هَذَا الْمنزل خير من ذَلِك الْمنزل لوُجُود الاسْتوَاء فِي صفة.
قَوْله تَعَالَى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) }
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ يكون فِي الْجنَّة مقيل، وَفِي النَّار مقيل وليسا بِموضع النّوم؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: قَالَ الْأَزْهَرِي: المقيل مَوضِع الاسْتِرَاحَة نَام أَو لم ينم، وَفِي الْمَأْثُور عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا ينتصف يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يقيل أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة، وَأهل النَّار فِي النَّار.
فَذكر القيلولة لِأَن نصف النَّهَار وَقت القيلولة، وَمَعْنَاهُ: النُّزُول هَاهُنَا، وَهُوَ أَنه ينزل كلا الْفَرِيقَيْنِ فِي مَنَازِلهمْ، وَقد روى أَن الله تَعَالَى يقصر الْيَوْم على الْمُؤمنِينَ حَتَّى يردهُ كَأَنَّهُ من صَلَاة إِلَى صَلَاة.
قَوله تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ...}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : كل النَّاس عباد الرَّحْمَن، مؤمنهم وكافرهم؟
قُلْنَا: إِن هَذَا كَمَا يَقُول الْقَائِل: ابْني فلَان، ويخص بذلك الْوَاحِد من بَينه، وَكَذَلِكَ يَقُول: صديقي فلَان، ويخص بذلك الْوَاحِد من أصدقائه، وَمَعْنَاهُ: أَن من يكون ابْني يَنْبَغِي أَن يكون كـ فُلان، وَمن يكون صديقي يَنْبَغِي أَن يكون كـ فُلان. انتهى انتهى {تفسير السمعاني} ...