ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) }
وفي"فتح الرحمن":
إن قلت: الخلق هو التقدير. ومنه قوله تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ} فكيف جمع بينهما؟
قلت: الخلق من الله هو إيجاد، فصح الجمع بينه وبين التقدير .. ولو سلم أنه التقدير، لساغ الجمع بينهما لاختلافهما لفظًا. كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} انتهى.
{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) }
فإن قلت: كيف تتصور الرؤية من النار، وهو قوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ} ؟
قلت: يجوز أن يخلق الله لها حياةً وعقلًا ورؤيةً ونطقًا فالبنية ليست شرطًا.
قال بعضهم: وهذا هو الحق، كما يدل عليه، قوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} فلا حاجة إلى تأويل أمثال هذا المقام.
فإن قلت: كيف يسمع التغيظ الذي هو بمعنى الغضب؟
قلت: في الكلام تقديم وتأخير وتقدير. والمعنى: إذا رأتهم سمعوا لها زفيرًا، وعلموا لها تغيظًا. نظير قول الشاعر:
وَرَأيْتُ زَوْجَكِ فِيْ الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا
أي: وحاملًا رمحًا.
والمعنى: وإذا كانت منهم بمرأى الناظر .. سمعوا لها صوتًا يشبه صوت المتغيظ لشدة توقدها، وصوت الزفير الذي يخرج من فم الحزين المتهالك حسرة وألمًا.
إن قيل التغيظ: لا يسمع فما معنى هذا الكلام؟
فالجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه على حذف مضاف؛ أي: صوت تغيظها.
والثاني: أنه على حذف تقديره: سمعوا ورأوا تغيظًا وزفيرًا، فيرجع كل واحد إلى ما يليق به؛ أي: رأوا تغيظًا وسمعوا زفيرًا.
والثالث: أن يضمن سمعوا معنى يشمل الشيئين؛ أي: أدركوا لها تغيظًا وزفيرًا اهـ.
{قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) }
وجنة الخلد هي الدار التي لا ينقطع نعيمها, ولا ينقل عنها أهلها، وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح، وإلا فالجنة اسم للدار المخلدة. ويجوز أن تكون الجنة اسمًا يدل على البستان الجامع لوجوه البهجة، ولا يدخل الخلود في مفهومها، فأضيفت إليه للدلالة على الخلود.