ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
قال صاحب الكشاف::
في الخلق معنى التقدير. فما معنى قوله: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} .
قلت: معناه أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له مثاله.
أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابى الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد، جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير.
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ(17)
وقوله: {وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} معطوف على مفعول"يحشرهم"والمراد بهؤلاء الذين عبدوهم من دون الله: الملائكة وعزير وعيسى وغيرهم من كل معبود سوى الله تعالى.
والسؤال للمعبودين إنما هو من باب التقريع للعابدين، وإلزامهم الحجة وزيادة حسرتهم، وتبرئة ساحة المعبودين.
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ} وقوله - عز وجل -: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ. .}
قال الإمام الرازي ما ملخصه:
«فإن قيل» : إنه - سبحانه - عالم في الأزل بحال المسئول عنه فما فائدة السؤال؟
والجواب: هذا استفهام على سبيل التقريع للمشركين، كما قال - سبحانه - لعيسى: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله} ولأن أولئك المعبودين لما برءوا أنفسهم وأحالوا ذلك الضلال عليهم، صار تبرُّؤُ المعبودين عنهم أشد في حسرتهم وحيرتهم.
وقال - سبحانه - {أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل} ولم يقل. ضلوا عن السبيل، للإشعار بأنهم قد بلغوا في الضلال أقصاه ومنتهاه.
(وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا(25)
«فإن قلت» : أي فرق بين قولك: انشقت الأرض بالنبات، وانشقت عنه؟
قلت: معنى انشقت به، أن الله شقها بطلوعه فانشقت به. ومعنى انشقت عنه: أن التربة ارتفعت عند طلوعه.