{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ}
أي: كما نأكل: {وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} أي: يتردد فيها لشؤونه كما نمشي. قال الزمخشري: يعنون أنه كان يجب أن يكون ملَكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش. أي: فيخالف حالُه حالنا. قال أبو السعود: وهل هو إلا لعمههم وركاكة عقولهم، وقصور أنظارهم على المحسوسات. فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية، وإنما هو بأمور نفسانية. كما أشير إليه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] ، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون مَلَكاً، إلى اقتراح أن يكون إنساناً معه ملَك حتى يتساندا في الإنذار فقالوا: {لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} ثم نزلوا أيضاً إلى اقتراح أن يرفد بكنز، إن لم يرفد بملك، فقالوا:
{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ} أي: من السماء يستظهر به، ولا يحتاج إلى طلب المعاش , ويكون دليلاً على صدقه. ثم نزلوا فاقتنعوا باقتراح ما هو أيسر منه، فقالوا: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} أي: بستان يرتزق منه: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً} أي: مغلوباً على عقله. وقوله:
{انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ} استعظام للأباطيل التي اجترأوا على التفوه بها. والتعجب منها. أي: انظر كيف قالوا في حقك تلك الأقوال الخارجة عن العقول: {فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} أي: القدح في نبوّتك، بأن يجدوا قولاً يستقرّون عليه، أو فَضَلُّوا عن الحق فلا يجدون طريقاً إليه.
قال ابن كثير: كل من خرج عن الحق وطريق الهدى فإنه ضال، حيثما توجه، لأن الحق واحد، ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضاً. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 12 صـ 435 - 436}