ومن لطائف ونكات تفسير ابن عجيبة:
(تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً(1)
وإيراده - عليه الصلاة والسلام - بذلك العنوان لتشريفه، والإيذان بكونه في أقصى مراتب العبودية، والتنبيه على أن الرسول لا يكون إلا عبداً للمُرسل رداً على النصارى.
أنزله لِيَكُونَ العبد المنزل عليه، أو الفرقان (لِلْعالَمِينَ) من الثقلين، زاد بعضهم: والملائكة، أرسل إليهم ليتأدبوا بأدبه، حيث لم يقف مع مقام ولا حال، ويقتبسوا من أنواره، وهو حكمة الإسراء.
وقيل: حتى إلى الحيوانات والجمادات، أُمرت بطاعته فيما يأمرها به، وبتعظيمه - عليه الصلاة والسلام - .
وهذا كله داخل في (العالمين) لأن ما سوى الله كله عالم كما تقدم في الفاتحة.
وعموم الرسالة من خصائصه - عليه الصلاة والسلام -
(نَذِيراً) أي: مخوِّفاً، وعدم التعرض للتبشير لأن الكلام مسوق لأحوال الكفرة، ولا بشارة لهم.
(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)
(إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) فأمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة.
وهو تعليل لما هو المشاهد من تأخير العقوبة عنهم، أي: كان أزلاً وأبداً مستمراً على المغفرة والرحمة، فلذلك لم يعاجلكم بالعقوبة على ما تقولون في حقه وفي حق رسوله، مع كمال اقتداره.
(تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً(10)
وعدم التعرض لجواب الاقتراحين الأولين، وهو إنزال الملك وإلقاء الكنز لظهور بطلانهما ومنافاتهما للحكمة التشريعية، وإنما الذي له وجه في الجملة هو الاقتراح الأخير فإنه غير مناف للحكمة بالكلية، فإن بعض الأنبياء - عليهم السلام - قد أوتوا مع النبوة مُلكاً عظيماً، لكنه نادر.