وقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ} إلى قوله {كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لَكُمُ الأيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ظاهر الآية: وأَمْرُ الشريعة أَنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أَنْ يقعَ منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصاتٌ يطول ذكرها، وذكر اللّه تعالى بيوتَ القراباتِ، وسقط منها بيوت الأبناء؛ فقال المفسرون: ذلك لأَنَّها داخلة في قوله: {من بيوتكم} لأنَّ بيت ابن الرجل بيتُه.
وقوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ} يريد ما خزنتم وصار في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجلُ في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل الضَّحِّاكِ ومجاهد، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاءُ والعبيدُ والأُجراءُ بالمعروف. وقرأ ابن جبير: «مَلَكْتُمْ مَفَاتِيحَهُ» مبنياً للمفعول وزيادة يا بين التاء والحاء، وقَرَنَ تعالى في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَحْضَةِ الوكيدة؛ لأَنَّ قُرْبَ المودة لصيق؛ قال معمر: قلت: لقتادَة: أَلاَ أشرب من هذا الجُبِّ؟ قال: أنت لي صديق، فما هذا الاستئذان؟ قال ابن عباس في كتاب «النقاش» : الصديق أوكد من القرابة؛ ألا ترى استغاثة الجهنميين: {فَمَا لَنَا مِن شافعين * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء: 100، 101] .
وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} : رَدٌّ لمذهب جماعة من العرب كانت لا تأكل أفذاذاً البتَّةَ، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأَنَّ إحضار الأكيل لَحَسَنٌ ولكن بأَلاَّ يحرم الانفرادُ، قال البخاريُّ: أشتاتاً وشتى واحد، انتهى.