{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
أُعقِب تمثيل ضلال أهل الضلالة وكيف حرمهم الله الهدى في قوله: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة} إلى قوله: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} [النور: 39، 40] بطلب النظر والاعتبار كيف هدى الله تعالى كثيراً من أهل السماوات والأرض إلى تنزيه الله المقتضي الإيمان به وحده، وبما ألهم الطير إلى أصواتها المعربة عن بهجتها بنعمة وجودها ورزقها الناشئَين عن إمداد الله إياها بهما فكانت أصواتها دلائل حال على تسبيح الله وتنزيهه عن الشريك، فأصواتها تسبيح بلسان الحال.
والجملة استئناف ابتدائي ومناسبته ما علمت.
وجملة: {كل قد علم صلاته وتسبيحه} استئناف ثانٍ وهو من تمام العبرة إذ أودع الله في جميع أولئك ما به ملازمتهم لما فُطروا عليه من تعظيم الله وتنزيهه.
فتسبيح العقلاء حقيقة، وتسبيح الطير مجاز مرسل في الدلالة على التنزيه.
وفيه استعمال لفظ التسبيح في حقيقته ومجازه، ولذلك خولف بينهما في الجملة الثانية فعبر بالصلاة والتسبيح مراعاة لاختلاف حال الفريقين: فريق العقلاء.
وفريق الطير وإن جمعتهما كلمة {كل} فأطلق على تسبيح العقلاء اسم الصلاة لأنه تسبيح حقيقي.
فالمراد بالصلاة الدعاء وهو من خصائص العقلاء، وليس في أحوال الطير ما يستقيم إطلاق الدعاء عليه على وجه المجاز وأبقي لدلالة أصوات الطير اسم التسبيح لأنه يطلق مجازاً على الدلالة بالصوت بعلاقة الإطلاق وذلك على التوزيع؛ ولولا إرادة ذلك لقيل: كل قد علم تسبيحه، أو كل قد علم صلاته.
والخطاب في قوله: {ألم تر} للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد من يَبلُغ إليه، أو الخطاب لغير معيّن فيعم كل مخاطب كما هو الشأن في أمثاله.