{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً}
لمّا جرى ذكر أعمال المتقين من المؤمنين وجزائهم عليها بقوله تعالى: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال} إلى قوله: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب} [النور: 36 38] أعقب ذلك بضده من حال أعمال الكافرين التي يحسبونها قربات عند الله تعالى وما هي بمغنية عنهم شيئاً على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة، وعكس ذلك كقوله: {ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات} [آل عمران: 197، 198] الخ فعطْف حال أعمال الكافرين عطف القصة على القصة.
ولعل المشركين كانوا إذا سمعوا ما وعد الله به المؤمنين من الجزاء على الأعمال الصالحة يقولون: ونحن نعمر المسجد الحرام ونطوف ونطعم المسكين ونسقي الحاج ونقري الضيف.
كما أشار إليه قوله تعالى: {أجعلتم سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر} [التوبة: 19] يعدون أعمالاً من أفعال الخير فكانت هذه الآيات إبطالاً لحسبانهم، قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً} [الفرقان: 23] وقد أعلمناك أن هذه السورة نزل أكثرها عقب الهجرة وذلك حين كان المشركون يتعقبون أخبار المسلمين في مهاجرهم ويتحسسون ما نزل من القرآن.
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.
{والذين كفروا} مبتدأ وخبره جملة: {أعمالهم كسراب} الخ.
وجعل المسند إليه ما يدل على ذوات الكافرين ثم بُني عليه مسند إليه آخر وهو {أعمالهم} .
ولم يُجعل المسند إليه أعمال الذين كفروا من أول وهلة لما في الافتتاح بذكر الذين كفروا من التشويق إلى معرفة ما سيذكر من شؤونهم ليتقرر في النفس كمال التقرر وليظهر أن للذين كفروا حظاً في التمثيل بحيث لا يكون المشبه أعمالهم خاصة.