(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قالوا: وممّا ورد في القرآن من الإحالة قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ}
قال الملحدون: وفي هذه الآية إحالة من وجوه:
أحدها: قوله أنّه خلق كلّ دابّة من ماء، وليس الأمر كذلك لأنّ منها ما خلق من البيض والتراب دون النّظف والماء الدافق، فبطل أن تكون كل دابّة من ماء.
ومنها حصره مشي جميعها على بطنها أو على رجلين أو على أربع، وليس الأمر كذلك، لأنّ فيها كثيرا يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت وكرخان الأذن والسرطان وغير ذلك فلا وجه لحصره المشي على قدر ما ذكره.
ومنها أنّه لا فائدة في ذكر هذا وإعلامنا إيّاه لأنّنا قد علمنا أنّ الدوابّ تمشي كذلك، وأيّ فائدة في ذكره إلّا الحشو به والتشاغل بما لا معنى له، قالوا على أنّه قال فمنهم، وهذا كناية عن العقلاء، وقوله: {كلّ دابّة} يدخل فيها ما يعقل وما لا يعقل.
يقال لهم: جميع ما ذكرتم لا يوجب القدح في القرآن. فأمّا قوله: {كُلَّ دَابَّةٍ} فإنّ لفظة كل ليست موضوعة للاستغراق والعموم بل هي معرّضة للعموم والخصوص، وكذلك جميع وسائر وأيّ ومن، وكلّ لفظ يدّعي القائلون بالعموم أنّه موضوع هو محتمل للعموم والخصوص، وقد بيّنّا ذلك في أصول الفقه وغيره بما يغني الناظر فيه، فبطل تعلّقهم بالعموم ولو ثبت أيضا لجاز تخصيصه بدليل فإذا علمنا أنّ منه ما لم يخلق من ماء قلنا أراد بقوله كلّ دابّة ذكرها، وكلّ ما يمشي على بطنه أو على رجلين أو على أربع دون ما عدا ذلك، على أنّه لم يقل من ماء دافق، وإنّما قال من ماء، وكلّ دابّة مخلوقة مما فيه صور من البلّة والرّطوبة، فإنّ الأصول عند كثير منهم الماء والأرض والهواء والنار هذه هي أصول الأشياء التي منها تنمو، أو إليها تنحلّ وتفسد فكلّ دابّة مركّبة من أصل فيه بلّة ورطوبة وجزء من المائية فبطل ما قالوه.