فأمّا قولهم فمنهم فإن ابتدأ فقال كلّ دابّة وهو لفظ يصلح تناوله للناس وغيرهم، ويجب عند قوم تناوله لذلك، ثم فصّل وذكر الناس منهم فقال منهم: فكنّى عنهم كناية العقلاء وقال على بطنه يريد الحيّة وما يجري مجراها، والعرب تقول: لا يكون المشي إلّا لما له قوائم يمشي بها المعتمد عليها، ولكنّها مع ذلك إذا خلطت ما لا يمشي مع الماشي وصف الجميع بأنّه يمشي كما يقول: أكلت خبزا ولبنا، والخبز هو الذي يقال أنّه يؤكل واللّبن يشرب فيقولون أكلت خبزا ولبنا لجمعهم لهما في الذكر، ولا يقولون: أكلت لبنا فكذلك يقولون: الحيّة والإنسان يمشيان ولا يقولون الحيّة تمشي وكذلك العرب تتبّر عمّا لا يعقل إذا ذكر مع العاقل في اللفظ الموضوع لما يعقل فيقولون: الرجل وإبله مقبلون، ولا يقولون ذلك في الإبل وحدها، ويقولون في الإنسان وغيره هذان مقبلان، وهذان الشخصان مقبلان، ولا يقولون ذلك في اثنين لا عاقل فيهما، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
فأمّا قولهم إنّه حصر مشي جميع الدواب على أربع وفيها ما يمشي على أكثر من ذلك، فإنه باطل لأنّه لم يحصر ذلك ولا قال لا شيء من الدوابّ، وإنّ كلّ الدوابّ تمشي على أربع، وإنّما قال فمنها من يمشي كذا، ومنها من يمشي كذا، ومنهم من يمشي كذا، ولا شكّ أنّ منهم من يمشي على ما ذكر فهذا لا ينقض أن يكون منهم من يمشي على أكثر من ذلك ولا كون من يمشي على أكثر من أربع قوائم ناقضا بمشي ما يمشي على أربع وأقلّ منها، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
على أنّه قد قال كثير من الملحدين إنّ كلّ حيوان إذا سعى ومشى فإنّه لا يمشي إلا على أربع من قوائمه، ويكون معتمدا عليها في أربع جهات لا على أكثر منها، فإن كان ذلك كما قالوه، فما يمشي حيوان وإن زادت قوائمه على أربع على أكثر من أربع منها، وبطل ما قالوه.
وأمّا قولهم فلا معنى لذكر ذلك إذا علم قبل خبره، فإنّه باطل لأنّ معنى ذلك إخبارهم بقدرته على إقدارهم على المشي مع اختلاف آلة المشي، وأنّه لو شاء أن يجعلها كلّها تمشي على بطونها أو على قوائم تعتمد عليها لفعل ذلك، فكأنّه يقول: انظروا أفليس في الحيوان ما يمشي كذلك لجنسه أو إيجاب خلقته أو لصورته، وإنّما ذلك بتقدير العزيز العليم الذي يعطي القدرة على المشي على وجه واحد تقطع به المسافة مع اختلاف الآلة، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...