(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)
وضرب مثلاً لأعمال من لم يهده لنوره، وهم أهل الكتابين والمنافقين، بقوله:
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) أي: مقبولا عند الله، إذ لم يكن بأمره ولا على سنة رسوله(وَوَجَدَ اللَّهَ
عِنْدَهُ)يجزي به (فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ) على سواء عمله أهل الكتاب،
والمنافقون هم الأخسرون أعمالاً (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)
وهم في الضلال المبين، دهم على ذلك العاملون الناصبون، لهم على ذلك النَّار
وسوء المصير.
يقول؛ مثل عملهم كمثل سراب بقيعة من الأرض قد اكتنفها الجدائب،
وقد استجرت الشمس فاستخرجت الأبخرة من الأرض في ذلك المطمئن، واكتنف
القيعة ما أحاط بها من المرتفع، ولم تتمكن الرياح أن تبدد تلك الأبخرة،
وكثفت عن أن ينفذها حر الشمس ولهب شعاعها فيلحقه بما يصعده منها، ولمقابلة
الشمس تلك الأبخرة في مسامتها من الجو، وتحريك الرياح إياها أدنى حركة أشبه
لون البخار لون الماء في البعد، لقربه منه في الغلظ، وبريقه الذي يكون فيه لمقابلة
الشمس له بريق الماء، وحركته حركة الماء، فظنه العاطش ماء، فقصده لشفاء
غلته، فـ (إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) أي: لم بجده ماء، لأنه نفذ بصره
فيه كغيره.
فمثًل الله - جل ذكره - أعمال المنافقين والمرائين وأهل الكتابين بهذا؛ ذاك
لضلالهم عن الرشد، وإفلاسهم من النور الحق، فإذا كان يوم القيامة يقول الله - جل
من قائل: لتتبع كل أمة ما كانت تعبده، فلا يبقى أحد كان يعبد شيئًا إلا اتبعه حتى
يجعله في جهنم"وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها وغبرات أهل الكتابين، يقول الله"
-جل ذكره - لهم:"ما تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار لهم إلى جهنم"
كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيقال: ألا تردون، فيسيرون إليها سعيًا ويردونها