ومن لطائف ونكات تفسير الشوكاني:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ظُلْمًا لِأَنَّهُمْ نَسَبُوا الْقَبِيحَ إِلَى مَنْ هُوَ مُبَرَّأٌ مِنْهُ، فَقَدْ وَضَعُوا الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَهَذَا هُوَ الظُّلْمُ، وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ مِنْهُمْ زُورًا فظاهر، لأنهم قد كذبوا في هَذِهِ الْمَقَالَةَ.
(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)
وَخُصَّ السِّرُّ لِلْإِشَارَةِ إِلَى انْطِوَاءِ مَا أَنْزَلَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أَسْرَارٍ بَدِيعَةٍ لَا تَبْلُغُ إِلَيْهَا عُقُولُ الْبَشَرِ.
وَالسِّرُّ: الْغَيْبُ، أَيْ: يَعْلَمُ الْغَيْبَ الْكَائِنَ فِيهِمَا.
وَجُمْلَةُ (إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) تَعْلِيلٌ لِتَأْخِيرِ الْعُقُوبَةِ، أَيْ: إِنَّكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ بما تَفْعَلُونَهُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِهِ وَالظُّلْمِ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعَجِّلُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(74)
وَإِنَّمَا قَالَ: إِمَامًا، وَلَمْ يَقُلْ أَئِمَّةً، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْجِنْسُ. كَقَوْلِهِ: (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا)
قَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ (إِمَامًا) ، وَلَمْ يَقُلْ أَئِمَّةً كما قال للاثنين (إنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) يَعْنِي: أَنَّهُ مِنَ الْوَاحِدِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْإِمَامُ جَمْعُ أَمٍّ مِنْ أمّ يؤم جَمْعٌ عَلَى فِعَالٍ، نَحْوَ صَاحِبٍ وَصِحَابٍ، وَقَائِمٍ وَقِيَامٍ.
وَقِيلَ: إِنَّ إِمَامًا مَصْدَرٌ، يُقَالُ: أَمَّ فُلَانٌ فُلَانًا إِمَامًا، مِثْلَ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ.
وَقِيلَ أَرَادُوا: اجْعَلْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا إِمَامًا.
وَقِيلَ أَرَادُوا: اجْعَلْنَا إِمَامًا وَاحِدًا لِاتِّحَادِ كَلِمَتِنَا.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمَقْلُوبِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: وَاجْعَلِ الْمُتَّقِينَ لَنَا إِمَامًا، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ صَادِرٌ عَنْهُمْ بِطَرِيقِ الِانْفِرَادِ، وَأَنَّ عِبَارَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ: وَاجْعَلْنِي لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَلَكِنَّهَا حُكِيَتْ عِبَارَاتُ الْكُلِّ بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ لِقَصْدِ الْإِيجَازِ كَقَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً) وَفِي هَذَا إِبْقَاءُ إِمَامًا عَلَى حَالِهِ، وَمِثْلُ مَا فِي الْآيَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يَا عَاذِلَاتِي لَا تَزِدْنَ مَلَامَتِي ... إِنَّ الْعَوَاذِلَ لَيْسَ لِي بِأَمِينِ
أَيْ: أُمَنَاءَ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَعِنْدِي أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا ذُهِبَ بِهِ مَذْهَبُ الِاسْمِ وُحِّدَ، كَأَنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْنَا حُجَّةً لِلْمُتَّقِينَ، وَمِثْلُهُ الْبَيِّنَةُ، يُقَالُ: هَؤُلَاءِ بَيِّنَةُ فُلَانٍ. انتهى انتهى {تفسير الشوكاني} ...