ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) }
ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية؟، فإن تقديره: فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم، فكذبوهما فدمرناه تدميرا، فذكر حاشيتي القصة أولها وآخرها؛ لأنهما المقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) }
فقدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس، وإن كانوا أشرف محلا؛ لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش، والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقي ما هو سبب نمائهم، ومعاشهم على سقيهم. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...