[من روائع الأبحاث]
تأملات تربوية في سورة النور
(الجزء الأول)
د. عثمان قدري مكانسي
سُمّيَتْ سورةَ النور لأحد سببين أو لكليهما. فهي أولاً: تحوي قوانين اجتماعية ونظماً تربوية تملأ حياة من التزمها نوراً وسعادة. وفيها ثانياً: قوله تعالى في الآية الخامسة والثلاثين"الله نور السماوات والأرض". وقد جاءت تسميات السور الكريمة حسب ما ورد فيها من أسماء مميزة كـ"آل عمران، والأنبياء، والضحى."أو ما جاء من قصص صبغت السورة بصِبغتها كـ"البقرة، والأحقاف، وهود."
ومن المفارقات الذكية أن الشاعر"أبا تمام"مدح الأمير الواثق بالله قبل أن يرث الخلافة عن أبيه المعتصم بالله، فكان مما قاله فيه يستعير صفات بعض الرجال المشهورين:
إقدام عمرو في سماحة حاتمٍ في حلم أحنف في ذكاء إياس
وقد كان عمرو بن معديكرب مشهوراً بالقوة والشجاعة. وحاتم الطائي معروفاً بالكرم والجود. والأحنف بن قيس علماً في الحلم وسعة الصدر. وإياس القاضي الذكي الألمعيّ عادلاً تقياً ... فجمع للواثق صفاتهم جميعاً في البيت السابق .... فقال الحاسدن يبغون الكيد له: الأمير فوق ما ذكرتَ - قاصدين إحراجه والنيل منه - فلا هو قادر أن ينفي ذلك، فيجعلهم فوق الأمير - فالمشبه به فوق المشبه - فيغضبه. وإن أقر لهم بالدونيّة فسوف يُقالُ له: كيف تشبهه بمن هم دونه؟! إنك إذ ذاك تقدح فيه ذماً ولاتقول مدحاً!! فارتجل بيتين رائعين يدلان على ذكائه وعبقريته، ألقم بهما الحاسدين أحجاراً:
لا تعجبوا ضربي له مَن دونَه مثلاً شَروداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس!
فنال لذكائه في حسن التخلص الجائزة مضاعفة. ونظروا في قرطاس القصيدة فلم يجدوا هذين البيتين. فعرفوا أنه الذكي الأريب قالهما ابتداءً من قافية القصيدة ووزنها. فعلا ذكره وذاع صيته.
والسورة الكريمة - كبقية السور - آفاق تربوية راقية، ولا يدّعي لبيب الإحاطة بها إلا كما يغرف الناهل من النهر الدفّاق، وينحت المثّال في الجبل العملاق، أو يجول الفلكيّ بمنظاره في أُوْلى السبع الطباق.